محمد بن جرير الطبري

58

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

آخرون : هي اسم من أسماء القرآن . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : الر اسم من أسماء القرآن . وقد ذكرنا اختلاف الناس وما إليه ذهب كل قائل في الذي قال فيه ، وما الصواب لدينا من القول في ذلك في نظيره ، وذلك في أول سورة البقرة ، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع . وإنما ذكرنا في هذا الموضع القدر الذي ذكرنا لمخالفة من ذكرنا قوله في هذا قول في ألم فأما الذين وفقوا بين معاني جميع ذلك ، فقد ذكرنا قولهم هناك مكتفيا عن الإعادة هاهنا . القول في تأويل قوله تعالى : تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ واختلف في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : تلك آيات التوراة . ذكر من قال ذلك : حدثني المثني ، قال : ثنا أبو نعيم ، قال : ثنا سفيان ، عن مجاهد : تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ قال : التوراة والإنجيل . قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا هشام ، عن عمرو ، عن سعيد ، عن قتادة : تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ قال : الكتب التي كانت قبل القرآن . وقال آخرون : معنى ذلك : هذه آيات القرآن . وأولى التأويلين في ذلك بالصواب تأويل من تأوله : هذه آيات القرآن ، ووجه معنى " تلك " إلى معنى " هذه " ، وقد بينا وجه توجيه تلك إلى هذا المعنى في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته . والآيات الأَعلام ، والكتاب اسم من أسماء القرآن ، وقد بينا كل ذلك فيما مضى قبل . وإنما قلنا هذا التأويل أولى في ذلك بالصواب ، لأنه لم يجئ للتوراة والإنجيل قبل ذكر ولا تلاوة بعده فيوجه إليه الخبر ، فإذا كان ذلك كذلك ، فتأويل الكلام : والرحمن هذه آيات القرآن الحكيم . ومعنى " الحكيم " في هذا الموضع : " المحكم " صرف مفعل إلى فعيل ، كما قيل عذاب أليم ، بمعنى مؤلم ، وكما قال الشاعر : أمن ريحانة الداعي السميع وقد بينا ذلك في غير موضع من الكتاب . فمعناه إذا : تلك آيات الكتاب المحكم الذي أحكمه الله وبينه لعباده ، كما قال جل ثناؤه : الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ القول في تأويل قوله تعالى : أَ كانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ يقول تعالى ذكره : أكان عجبا للناس إيحاؤنا القرآن على رجل منهم بإنذارهم عقاب الله على معاصيه ، كأنهم لم يعلموا أن الله قد أوحى من قبله إلى مثله من البشر ، فتعجبوا من وحينا إليه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا عثمان بن سعيد ، قال : ثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك عن ابن عباس ، قال : لما بعث الله محمدا رسولا أنكرت العرب ذلك ، أو من أنكر منهم ، فقالوا : الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا مثل محمد فأنزل الله تعالى : أَ كانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ وقال : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : عجبت قريش أن بعث رجل منهم . قال : ومثل ذلك : وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قال الله : أَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ القول في تأويل قوله تعالى : وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ يقول جل ثناؤه : أكان عجبا للناس أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس ، وأن بشر الذين آمنوا بالله ورسوله أن لهم قدم صدق ؛ عطف على " أنذر " . واختلف أهل التأويل في معنى قوله : قَدَمَ صِدْقٍ فقال بعضهم : معناه : أن لهم أجرا حسنا بما قدموا من صالح الأَعمال . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا المحاربي ، عن جويبر ، عن الضحاك : أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قال : ثواب صدق . حدثنا ابن وكيع قال : ثنا عبد الله بن رجاء ، عن ابن جريج ، عن عبد الله بن كثير ، عن مجاهد : أَنَّ لَهُمْ