محمد بن جرير الطبري
55
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
تأويل قوله تعالى : وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ يقول تعالى ذكره : وإذا ما أنزلت سورة من القرآن فيها عيب هؤلاء المنافقين الذين وصف جل ثناؤه صفتهم في هذه السورة ، وهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر بعضهم إلى بعض ، فتناظروا هل يراكم من أحد إن تكلمتم أو تناجيتم بمعايب القوم يخبرهم به ، ثم قام فانصرفوا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يستمعوا قراءة السورة التي فيها معايبهم . ثم ابتدأ جل ثناؤه قوله : صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ فقال : صرف الله عن الخير والتوفيق والإيمان بالله ورسوله قلوب هؤلاء المنافقين ؛ ذلك بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ يقول : فعل الله بهم هذا الخذلان ، وصرف قلوبهم عن الخيرات من أجل أنهم قوم لا يفقهون عن الله مواعظه ، استكبارا ونفاقا . واختلف أهل العربية في الجالب حرف الاستفهام ، فقال بعض نحويي البصرة ، قال : نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ؟ كأنه قال : قال بعضهم لبعض ؛ لأن نظرهم في هذا المكان كان إيماء وتنبيها به ، والله أعلم . وقال بعض نحويي الكوفة : إنما هو : وإذا ما أنزلت سورة قال بعضهم لبعض : هل يراكم من أحد ؟ وقال آخر منهم : هذا النظر ليس معناه القول ، ولكنه النظر الذي يجلب الاستفهام كقول العرب : تناظروا أيهم أعلم ، واجتمعوا أيهم أفقه ؛ أي اجتمعوا لينظروا ، فهذا الذي يجلب الاستفهام . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن شعبة ، عن أبي حمزة ، عن ابن عباس ، قال : لا تقولوا : انصرفنا من الصلاة ، فإن قوما انصرفوا فصرف الله قلوبهم ، ولكن قولوا : قد قضينا الصلاة . قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن عمير بن تميم الثعلبي ، عن ابن عباس ، قال : لا تقولوا : انصرفنا من الصلاة ، فإن قوما انصرفوا فصرف الله قلوبهم . قال : ثنا أبو معاوية عن الأعمش ، عن أبي الضحى ، عن ابن عباس ، قال : لا تقولوا انصرفنا من الصلاة ، فإن قوما انصرفوا فصرف الله قلوبهم ، ولكن قولوا : قد قضينا الصلاة . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الآية ، قال : هم المنافقون . وكان ابن زيد يقول في ذلك ، ما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ممن سمع خبركم رآكم أحد أخبره إذا نزل شيء يخبر عن كلامهم ، قال : وهم المنافقون . قال : وقرأ : وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً حتى بلغ : نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ أخبره بهذا ، أكان معكم أحد سمع كلامكم ، أحد يخبره بهذا ؟ حدثني المثني ، قال : ثنا آدم ، قال : ثنا شعبة ، قال : ثنا أبو إسحاق الهمداني ، عمن حدثه ، عن ابن عباس ، قال : لا تقل انصرفنا من الصلاة ، فإن الله عير قوما فقال : انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ولكن قل : قد صلينا القول في تأويل قوله تعالى : لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ يقول تعالى ذكره للعرب : لَقَدْ جاءَكُمْ أيها القوم رَسُولٌ الله إليكم مِنْ أَنْفُسِكُمْ تعرفونه لا من غيركم ، فتتهموه على أنفسكم في النصيحة لكم . عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ أي عزيز عليه عنتكم ، وهو دخول المشقة عليهم والمكروه والأذى . حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ يقول : حريص على هدى ضلالكم وتوبتهم ورجوعهم إلى الحق . بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ أي رفيق رَحِيمٌ . وبنحو الذي قلنافي ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا ابن عيينة ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه محمد ،