محمد بن جرير الطبري

56

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

في قوله : لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ قال : لم يصبه شيء من شرك في ولادته . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا ابن عيينة ، عن جعفر بن محمد ، في قوله : لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ قال : لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية . قال : وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إني خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح " . حدثني المثني ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الرزاق ، عن ابن عيينة ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه محمد ، بنحوه . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ قال : جعله الله من أنفسهم ، ولا يحسدونه على ما أعطاه الله من النبوة والكرامة . وأما قوله : عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله ، فقال بعضهم : معناه : ما ضللتم . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا طلق بن غنام ، قال : ثنا الحكم بن ظهير عن السدي ، عن ابن عباس ، في قوله : عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ قال : ما ضللتم . وقال آخرون : بل معنى ذلك : عزيز عليه عنت مؤمنكم . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ عزيز عليه عنت مؤمنهم . وأولى القولين في ذلك بالصواب قول ابن عباس ؛ وذلك أن الله عم بالخبر عن نبي الله أنه عزيز عليه ما عنت قومه ، ولم يخصص أهل الإيمان به ، فكان صلى الله عليه وسلم كما وصفه الله به عزيزا عليه عنت جميعهم . فإن قال قائل : وكيف يجوز أن يوصف صلى الله عليه وسلم بأنه كان عزيزا عليه عنت جميعهم وهو يقتل كفارهم ويسبي ذراريهم ويسلبهم أموالهم ؟ قيل : إن إسلامهم لو كانوا أسلموا كان أحب إليه من إقامتهم على كفرهم وتكذيبهم إياه حتى يستحقوا ذلك من الله ، وإنما وصفه الله جل ثناؤه بأنه عزيز عليه عنتهم ، لأنه كان عزيزا عليه أن يأتوا ما يعنتهم ؛ وذلك أن يضلوا فيستوجبوا العنت من الله بالقتل والسبي . وأما " ما " التي في قوله : ما عَنِتُّمْ فإنه رفع بقوله : عَزِيزٌ عَلَيْهِ لأن معنى الكلام : ما ذكرت عزيز عليه عنتكم . وأما قوله : حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ فإن معناه : ما قد بينت ، وهو قول أهل التأويل ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ حريص على ضالهم أن يهديه الله . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله : حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ قال : حريص على من لم يسلم أن يسلم . القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ يقول تعالى ذكره : فإن تولى يا محمد هؤلاء الذين جئتهم بالحق من عند ربك من قومك ، فأدبروا عنك ولم يقبلوا ما أتيتهم به من النصيحة في الله وما دعوتهم إليه من النور والهدى ، فقل حسبي الله ، يكفينيربي ؛ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لا معبود سواه ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وبه وثقت ، وعلى عونه اتكلت ، وإليه وإلى نصره استندت ، فإنه ناصري ومعيني على من خالفني وتولى عني منكم ومن غيركم من الناس . وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ الذي يملك كل ما دونه ، والملوك كلهم مماليكه وعبيده . وإنما عنى بوصفه جل ثناؤه نفسه بأنه رب العرش العظيم ، الخبر عن جميع ما دونه أنهم عبيده وفي ملكه وسلطانه ؛ لأن العرش العظيم إنما يكون للملوك ، فوصف نفسه بأنه ذو العرش دون سائر خلقه وأنه الملك العظيم دون غيره وأن من دون في سلطانه وملكه جار عليه حكمه وقضاؤه . حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ يعني الكفار تولوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذه في المؤمنين . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا ابن