محمد بن جرير الطبري
50
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
قعد نبي الله تسرت السرايا وقعد معه معظم الناس . وقال آخرون : بل معنى ذلك : ما هؤلاء الذين نفروا بمؤمنين ، النفر ولو كانوا مؤمنين لم ينفر جميعهم ؛ ولكنهم منافقون ، ولو كانوا صادقين أنهم مؤمنون لنفر بعض ليتفقه في الدين ولينذر إذا رجع إليهم . ذكر من قال ذلك : حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فإنها ليست في الجهاد النفر ، ولكن لما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على مضر بالسنين ، أجدبت بلادهم ، وكانت القبيلة منهم مضر تقبل بأسرها حتى يحلوا بالمدينة من الجهد ، ويعتلوا بالإسلام وهم كاذبون ، فضيقوا على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأجهدوهم . وأنزل الله يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم ليسوا مؤمنين ، فردهم رسول الله عشائرهم ، وحذر قومهم أن يفعلوا فعلهم ؛ فذلك قوله : وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ . وقد روي عن ابن عباس في ذلك قول ثالث ، وهو ما : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً إلى قوله : لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ النفر قال : كان ينطلق من كل حي من العرب عصابة فيأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسألونه عما يريدونه من دينهم ويتفقهون في دينهم ، ويقولون لنبي الله : ما تأمرنا أن نفعله وأخبرنا ما نقول لعشائرنا إذا انطلقنا إليهم قال فيأمرهم نبي الله بطاعة الله وطاعة رسوله ، ويبعثهم إلى قومهم بالصلاة والزكاة . وكانوا إذا أتوا قومهم نادوا : إن من أسلم فهو منا وينذرونهم ، حتى إن الرجل ليعرف أباه وأمه . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرهم وينذرون قومهم ، فإذا رجعوا إليهم يدعونهم إلى الإسلام وينذرونهم النار ويبشرونهم بالجنة . وقال آخرون : إنما هذا تكذيب من الله لمنافقين ، أزروا بأعراب المسلمين وعز في تخلفهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، النفر وهم قد عذره الله بالتخلف . ذكر من قال ذلك : حدثني الحرث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا سفيان بن عيينة ، عن سليمان الأحول ، عن عكرمة قال : لما نزلت هذه الآية : ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ إلى : إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ قال ناس من المنافقين : هلك من تخلف فنزلت : وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً إلى : لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ، ونزلت : وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ الآية . حدثنا المثني ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن الزبير ، عن ابن عيينة ، قال : ثنا سليمان الأحول عن عكرمة ، قال : سمعته يقول : لما نزلت : إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً و ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ إلى قوله : لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ قال المنافقون : هلك أصحاب البدو الذين تخلفوا عن محمد ولم ينفروا معه وقد كان ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا إلى البدو إلى قومهم يفقهونهم ، فأنزل الله : وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ إلى قوله : لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ، ونزلت : وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ الآية . واختلف الذين قالوا عنى بذلك النهي عن نفر الجميع في السرية وترك النبي عليه الصلاة والسلام وحد في المعنيين بقوله : لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ فقال بعضهم : عنى به الجماعة المتخلفة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .