محمد بن جرير الطبري

51

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وقالوا : معنى الكلام : فهلا نفر من كل فرقة طائفة للجهاد ليتفقه المتخلفون في الدين ولينذروا قومهم الذين نفروا في السرية إذا رجعوا إليهم من غزوهم وذلك قول قتادة ، وقد ذكرنا رواية ذلك عنه من رواية سعيد بن أبي عروبة . وقد : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال . ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ الآية ، قال : ليتفقه الذين قعدوا مع نبي الله النفر . وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ يقول : لينذروا الذين خرجوا إذا رجعوا إليهم . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن الحسن وقتادة : وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً قالا كافة ، ويدعو النبي صلى الله عليه وسلم . وقال آخرون منهم : بل معنى ذلك : النفر لتفقه الطائفة النافرة دون المتخلفة وتحذر النافرة المتخلفة . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن الحسن : فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ النفر قال : ليتفقه الذين خرجوا بما يريهم الله من الظهور على المشركين والنصرة ، وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم . وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب أن يقال : تأويله النفر ، وما كان المؤمنون لينفروا جميعا ويتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحد ، وأن الله نهى بهذه الآية المؤمنين به أن يخرجو في غزو وجهاد وغير ذلك من أمورهم ويدعو الله صلى الله عليه وسلم وحيدا ، ولكن عليهم إذا سرى رسول الله سرية أن ينفر معها من كل قبيلة من قبائل العرب وهي الفرقة . طائِفَةٌ وذلك من الواحد إلى ما بلغ من العدد ، كما قال الله جل ثناؤه : فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ يقول : فهلا نفر من كل فرقة منهم طائفة وهذا إلى هاهنا على أحد الأقوال التي رويت عن ابن عباس ، وهو قول الضحاك وقتادة . وإنما قلنا هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب ، لأن الله تعالى ذكره حظر التخلف خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المؤمنين به من أهل المدينة ، مدينة الرسول ، ومن الأعراب لغير عذر يعذرون به إذا خرج رسول الله لغزو وجهاد عدو قبل هذه الأمة بقوله : ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، ثم عقب ذلك جل ثناؤه بقوله : وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فكان معلوما بذلك إذ كان قد عرفهم في الآية التي قبلها اللازم لهم من فرض النفر والمباح لهم من تركه في حال غزو رسول الله صلى الله عليه وسلم وشخوصه عن مدينته لجهاد عدو ، وأعلمهم أنه لا يسعهم التخلف خلافه إلا لعذر بعد استنهاضه بعضهم وتخليفه بعضهم أن يكون عقيب تعريفهم ذلك تعريفهم الواجب عليهم عند مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمدينته وإشخاص غيره عنها ، كما كان الابتداء بتعريفهم الواجب عند شخوصه وتخليفه بعضهم . وأما قوله : لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ . فإن أولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : ليتفقه الطائفة النافرة بما تعاين من نصر الله أهل دينه وأصحاب رسوله على أهل عداوته والكفر به ، فيفقه بذلك من معاينته حقيقة علم أمر الإسلام وظهوره على الأديان من لم يكن فقهه ، ولينذروا قومهم فيحذروهم أن ينزل بهم من بأس الله مثل الذي نزل بمن شاهدوا وعاينوا ممن ظفر بهم المسلمون من أهل الشرك إذا هم رجعوا إليهم من غزوهم . لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ يقول : لعل قومهم إذا هم