محمد بن جرير الطبري
45
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأن وجه قطعة قمر ، وكنا نعرف ذلك منه . قال : فلما جلست بين يديه قلت : يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أمسك بعض مالك فهو خير لك " قال : فقلت : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر . وقلت : يا رسول الله إن الله إنما أنجاني بالصدق ، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت قال : فوالله ما علمت أحدا من المسلمين ابتلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله عليه الصلاة والسلام أحسن مما ابتلاني ، والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا ، وإني أرجو أن يحفظني الله فيما بقي . قال : فأنزل الله : لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ حتى بلغ : وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا إلى : اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ قال كعب : والله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوه ، فإن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد : سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ إلى قوله : لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ قال كعب : خلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم توبتهم حين حلفوا له ، فبايعهم واستغفر لهم ، وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله فيه ، فبذلك قال الله : وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو إنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه ، فقبل منهم . حدثنا المثني ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك ، أن عبد الله بن كعب بن مالك ، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي ، قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ، فذكر نحوه . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عبد الرحمن بن كعب ، عن أبيه كعب ، قال : لم أتخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة غزاها إلا بدر ا ، ولم يعاتب النبي صلى الله عليه وسلم أحدا تخلف عن بدر ، ثم ذكر نحوه . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن ابن شهاب الزهري ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري ، ثم السلمي ، عن أبيه عبد الله بن كعب : أن أباه عبد الله بن كعب ، وكان قائد أبيه كعب حين أصيب بصره ، قال : سمعت أبي كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ، وحد صاحبيه صاحبي كعب قال : ما تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها ، غير أني كنت تخلفت عنه في غزوة بدر ، ثم ذكر نحوه . القول في تأويل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ يقول تعالى ذكره للمؤمنين معرفهم سبيل النجاة من عقابه والخلاص من أليم عذابه : يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله ، اتقوا الله وراقبوه بأداء فرائضه وتجنب حدوده ، وكونوا في الدنيا من أهل ولاية الله وطاعته ، تكونوا في الآخرة مع الصادقين في الجنة . يعني مع من صدق الله الإيمان به فحقق قوله بفعله ولم يكن من أهل النفاق فيه الذين يكذب قيلهم فعلهم . وإنما معنى الكلام : وكونوا مع الصادقين في الآخرة باتقاء الله في الدنيا ، كما قال جل ثناؤه : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ