محمد بن جرير الطبري

46

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ . وإنما قلنا ذلك معنى الكلام ، لأن كون المنافق مع المؤمنين غير نافعه بأي وجوه الكون كان معهم إن لم يكن عاملا عملهم ، وإذا عمل عملهم فهو منهم ، وإذا كان منهم كان لا وجه في الكلام أن يقال : اتقوا الله وكونوا مع الصادقين . ولتوجيه الكلام إلى ما وجهنا من تأويله فسر ذلك من فسره من أهل التأويل بأن قال : معناه : وكونوا مع أبي بكر وعمر ، أو مع النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرين الله عليهم . ذكر من قال ذلك أو غيره في تأويله : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يعقوب ، عن زيد بن أسلم ، عن نافع ، في قول الله : اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ قال : مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا حبوية أبو يزيد ، عن يعقوب القمي ، عن زيد بن أسلم ، عن نافع ، قال : قيل للثلاثة الذين خلفوا : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ محمد وأصحابه . حدثني المثني ، قال : ثنا إسحاق بن إسماعيل ، عن عبد الرحمن المحاربي ، عن جويبر ، عن الضحاك ، في قوله : وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ قال : مع أبي بكر وعمر وأصحابهما رحمة الله عليهم . قال : ثنا محمد بن يحيى ، قال : ثنا إسحاق بن بشر الكاهلي ، قال : ثنا خلف بن خليفة ، عن أبي هاشم الرماني ، عن سعيد بن جبير ، في قول الله : اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ قال : مع أبي بكر وعمر رحمة الله عليهما . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله : اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ قال : مع المهاجرين الصادقين . وكان ابن مسعود فيما ذكر عنه يقرؤه : " وكونوا من مع الصادقين " ويتأوله أن ذلك نهى من الله عن الكذب . ذكر الرواية عنه بذلك : حدثني المثني ، قال : ثنا آدم العسقلاني ، قال : ثنا شعبة ، عن عمرو بن مرة ، قال : سمعت أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود يقول : قال ابن مسعود : إن الكذب لا يحل منه جد ولا هزل ، اقرءوا إن شئتم : " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا من مع الصادقين " قال : وكذلك هي قراءة ابن مسعود : " من الصادقين " ، فهل ترون في الكذب رخصة " ؟ قال : ثنا سويد بن نصر ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن شعبة ، عن عمرو بن مرة ، قال : سمعت أبا عبيدة ، عن عبد الله ، نحوه . حدثني المثني قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن عمرو بن مرة ، قال : سمعت أبا عبيدة يحدث ، عن عبد الله قال : الكذب لا يصلح منه جد ولا هزلا ، اقرءوا إن شئتم . " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا من الصادقين " وهي كذلك في قراءه عبد الله ، فهل ترون من رخص في الكذب ؟ حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن عبد الله ، قال : لا يصلح الكذب في هزل ولا جد ، ثم تلا عبد الله : اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا ما أدري أقال " من الصادقين " أو مَعَ الصَّادِقِينَ وهو في كتابي : مَعَ الصَّادِقِينَ . قال : ثنا أبي ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن أبي معمر ، عن عبد الله ، مثله . قال : ثنا أبي ، عن الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله ، مثله . والصحيح من التأويل في ذلك هو التأويل الذي ذكرناه عن نافع والضحاك ، وذلك أن رسوم المصاحف كلها مجمعة على : وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ، وهي القراءة التي لا أستجيز لأحد القراءة بخلافها ، وتأويل عبد الله رحمة الله عليه في ذلك على قراءته تأويل غير صحيح ، أن القراءة بخلافها . القول في تأويل قوله تعالى : ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ