محمد بن جرير الطبري

44

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وأشهد الصلاة وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد ، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة ، فأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام أم لا ؟ ثم أصلي معه وأسارقه النظر ، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني . حتى إذا طال ذلك علي من جفوة المسلمين ، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة وهو ابن عمي ابن عم كعب وأحب الناس إلي ، فسلمت عليه ، فوالله ما رد علي السلام ، فقلت : يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلم أني أحب الله ورسوله ؟ فسكت ، قال : فعدت فناشدته فسكت ، فعدت فناشدته فقال : الله ورسوله أعلم ففاضت عيناي ، وتوليت حتى تسورت الجدار . فبينا أنا أمشي في سوق المدينة ، إذا بنبطي من نبط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة ، يقول : من يدل على كعب بن مالك ؟ قال : فطفق الناس يشيرون له حتى جاءني ، فدفع إلي كتابا من ملك غسان ، وكنت كاتبا ، فقرأته فإذا فيه : أما بعد فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة ، فالحق بنا نواسك قال : فقلت حين قرأته : وهذا أيضا من البلاء . فتأممت به التنور فسجرته به . حتى إذا مضت أربعون من الخمسين واستلبث الوحي إذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك كعب ، قال : فقلت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : لا بل اعتزلها فلا تقربها قال : وأرسل إلى صاحبي بذلك ، قال : فقلت لامرأتي كعب : الحقي بأهلك تكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر قال : فجاءت امرأة هلال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم ، فهل تكره أن أخدمه ؟ فقال : " لا ، ولكن لا يقربنك " قالت : فقلت : إنه والله ما به حركة إلى شيء ، وو الله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا قال : فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك كعب فقد أذن لامرأة هلال أن تخدمه قال : فقلت لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما يدريني ماذا يقول لي إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب . فلبثت بعد ذلك عشر ليال ، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا . قال : ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا ، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله عنا قد ضاقت علي نفسي وضاقت على الأرض بما رحبت ، سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع يقول بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر قال : فخررت ساجدا ، وعرفت أن قد جاء فرج . قال : وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر ، فذهب الناس يبشروننا ، فذهب قبل صاحبي مبشرون ، وركض رجل إلي فرسا ، وسعى ساع من أسلم قبلي وأوفى الجبل ، وكان الصوت أسرع من الفرس . فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي ، فكسوتهما إياه ببشارته ، والله ما أملك غيرهما يومئذ ، واستعرت ثوبين فلبستهما . وانطلقت أتأمم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئوني بالتوبة ، ويقولون : لتهنك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد حوله الناس ، فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني ، والله ما قام رجل من المهاجرين غيره قال : فكان كعب لا ينساها لطلحة قال كعب : فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور : " أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك " فقلت : أمن عندك يا رسول الله ، أم من عند الله ؟ قال : " لا بل من عند الله " .