محمد بن جرير الطبري
33
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
له فقال : ما كان عليه لو مشى معه وأجنه واستغفر له ثم تلا وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ الآية . وتأول آخرون الاستغفار في هذا الموضوع بمعنى الصلاة . ذكر من قال ذلك : حدثني المثني ، قال : ثنى إسحاق ، قال : ثنا كثير بن هشام ، عن جعفر بن برقان ، قال : ثنا حبيب بن أبي مرزوق ، عن عطاء بن أبي رباح ، قال : ما كنت أدع الصلاة على أحد من أهل هذه القبلة ولو كانت حبشية حبلى من الزنا ، لأني لم أسمع أن الله يحجب الصلاة إلا عن المشركين ، يقول الله : ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ . وتأوله آخرون بمعنى الاستغفار الذي هو دعاء . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن عصمة بن راشد ، عن أبيه راشد قال : سمعت أبا هريرة يقول : رحم الله رجلا استغفر لأبي هريرة ولأمه قلت : ولأبيه ؟ قال : لا إن أبي مات وهو مشرك . قال أبو جعفر : وقد دللنا على أن معنى الاستغفار : مسألة العبد ربه غفر الذنوب ؛ وإذ كان ذلك كذلك ، وكانت مسألة العبد ربه ذلك قد تكون في الصلاة وفي غير الصلاة ، لم يكن أحد القولين اللذين ذكرنا فاسدا ، لأن الله عم بالنهي عن الاستغفار للمشرك بعد ما تبين له أنه من أصحاب الجحيم ، ولم يخصص من ذلك حالا أباح فيها الاستغفار له . وأما قوله : مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ فإن معناه : ما قد بينت من أنه من بعد ما يعلمون بموته كافرا أنه من أهل النار . وقيل : أَصْحابُ الْجَحِيمِ لأنهم سكانها وأهلها الكائنون فيها ، كما يقال لسكان الدار : هؤلاء أصحاب هذه الدار ، بمعنى سكانها . وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثني ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الرازق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله : مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ قال : تبين للنبي صلى الله عليه وسلم أن أبا طالب حين مات أن التوبة قد انقطعت عنه . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، قال : تبين له حين مات ، وعلم أن التوبة قد انقطعت عنه ، يعني في قوله : مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ . حدثنا عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ قال : ثنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك في قوله : ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ الآية ، يقول : إذا ماتوا مشركين ، يقول الله : مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ الآية . واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ قال بعضهم : معناه : فلما تبين له بموته مشركا بالله تبرأ منه وترك الاستغفار له . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن حبيب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : ما زال إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات ، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن حبيب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : ما زال إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات ، فلما مات تبين له أنه عدو لله . حدثني الحرث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا سفيان ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : لم يزل إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات ، فلما مات لم يستغفر له . حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس : وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ يعني استغفر له ما كان حيا ، فلما مات أمسك عن الاستغفار له . حدثني مطر بن محمد الضبي ، قال : ثنا أبو عاصم وأبو قتيبة مسلم بن قتيبة ، قالا : ثنا شعبة ، عن الحكم ، عن مجاهد ، في قوله : فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ