محمد بن جرير الطبري
10
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
دخولهم النار ، والأغلب من إحدى المرتين أنها في القبر . وقوله : ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ يقول : ثم يرد هؤلاء المنافقون بعد تعذيب الله إياهم مرتين إلى عذاب عظيم ، وذلك عذاب جهنم . القول في تأويل قوله تعالى : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ يقول تعالى ذكره : ومن أهل المدينة منافقون مردوا على النفاق ، ومنهم آخرون اعترفوا بذنوبهم ، يقول : أقروا بذنوبهم . خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً يعني جل ثناؤه بالعمل الصالح الذي خلطوه بالعمل السيئ : اعترافهم بذنوبهم وتوبتهم منها ، والآخر السيئ هو تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج غازيا ، وتركهم الجهاد مع المسلمين . فإن قال قائل : وكيف قيل : خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ، وإنما الكلام : خلطوا عملا صالحا بآخر سيئ ؟ قيل : قد اختلف أهل العربية في ذلك ، فكان بعض نحويي البصرة يقول : قيل ذلك كذلك ، وجائز في العربية أن يكون بآخر كما تقول : استوى الماء والخشبة ؛ أي بالخشبة ، وخلطت الماء واللبن . وأنكر آخرون أن يكون نظير قولهم : استوى الماء والخشبة . واعتل في ذلك بأن الفعل في الخلط عامل في الأول والثاني ، وجائز تقديم كل واحد منهما على صاحبه ، وأن تقديم الخشبة على الماء غير جائز في قولهم : استوى الماء والخشبة ، وكان ذلك عندهم دليلا على مخالفة ذلك الخلط . قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندي أنه بمعنى قولهم : خلطت الماء واللبن ، بمعنى خلطته باللبن . عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ يقول : لعل الله أن يتوب عليهم . وعسى من الله واجب ، وإنما معناه : سيتوب الله عليهم ، ولكنه في كلام العرب على ما وصفت . إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يقول : إن الله ذو صفح وعفو لمن تاب عن ذنوبه وساتر له عليها رحيم أن يعذبه بها . وقد اختلف أهل التأويل في المعني بهذه الآية والسبب الذي من أجله أنزلت فيه ، فقال بعضهم : نزلت في عشرة أنفس كانوا تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ، منهم أبو لبابة ، فربط سبعة منهم أنفسهم إلى السواري عند مقدم النبي صلى الله عليه وسلم توبة منهم من ذنبهم ذكر من قال ذلك : حدثني المثني ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً قال : كانوا عشرة رهط تخلفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ، فلما حضر رجوع النبي صلى الله عليه وسلم أوثق سبعة منهم المتخلفون أنفسهم بسواري المسجد ، وكان ممر النبي صلى الله عليه وسلم إذا رجع في المسجد عليهم ، فلما رآهم قال : " من هؤلاء الموثقون أنفسهم بالسواري ؟ " قالوا : هذا أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك يا رسول الله . . . حتى تطلقهم وتعذرهم . فقال النبي عليه الصلاة والسلام : " وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله هو الذي يطلقهم رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين " فلما بلغهم ذلك ، قالوا : ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله الذي يطلقنا فأنزل الله تبارك وتعالى : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ وعسى من الله واجب . فلما نزلت أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فأطلقهم وعذر . وقال آخرون : بل كانوا ستة ، أحدهم أبو لبابة . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ