محمد بن جرير الطبري
119
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
حجاج ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن ميمون ، قال : ثنا ابن مسعود في بيت المال ، قال : إن يونس عليه السلام كان قد وعد قومه العذاب وأخبرهم أنه يأتيهم إلى ثلاثة أيام ، ففرقوا بين كل والدة وولدها ، ثم خرجوا فجأروا إلى الله واستغفروه فكف عنهم العذاب ، وغدا يونس ينظر العذاب فلم ير شيئا ، وكان من كذب ولم تكن له بينة قتل . فانطلق مغاضبا . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا صالح المري ، عن أبي عمران الجوني ، عن أبي الجلدجيلان قال : لما غشي قوم يونس العذاب مشوا إلى شيخ من بقية علمائهم ، فقالوا له : إنه قد نزل بنا العذاب فما ترى ؟ فقال : قولوا يا حي حين لا حي ، ويا حي محيي الموتى ، ويا حي لا إله إلا أنت فكشف عنهم العذاب ومتعوا إلى حين . حدثنا محمد بن عبد الأَعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، قال : بلغني في حرف ابن مسعود : " فلولا يقول فهلا " . وقوله : لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا يقول : لما صدقوا رسولهم وأقروا بما جاءهم به بعد ما أظلهم العذاب وغشيهم أمر الله ونزل بهم البلاء ، كشفنا عنهم عذاب الهوان والذل في حياتهم الدنيا . وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ يقول : وأخرنا في آجالهم ولم نعاجلهم بالعقوبة ، وتركناهم في الدنيا يستمتعون فيها بآجالهم إلى حين مماتهم ووقت فناء أعمارهم التي قضيت فناءها . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً يقول تعالى ذكر لنبيه : وَلَوْ شاءَ يا محمد رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً بك ، فصدقوك أنك لي رسول وأن ما جئتهم به وما تدعوهم إليه من توحيد الله وإخلاص العبودة له حق ، ولكن لا يشاء ذلك ؛ لأَنه قد سبق من قضاء الله قبل أن يبعثك رسولا أنه لا يؤمن بك ولا يتبعك فيصدقوك بما بعثك الله به من الهدى والنور إلا من سبقت له السعادة في الكتاب الأَول قبل أن يخلق السماوات والأَرض وما فيهن ، وهؤلاء الذين عجبوا من صدق إيحائنا إليك هذا القرآن لتنذر به من أمرتك بإنذاره ممن قد سبق له عندي أنهم لا يؤمنون بك في الكتاب السابق . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ونحو هذا في القرآن ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحرص أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى ، فأخبره الله أنه لا يؤمن من قومه إلا من قد سبق له من الله السعادة في الذكر الأَول ، ولا يضل إلا من سبق له من الله الشقاء في الذكر الأَول . فإن قال قائل : فما وجه قوله : لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً فالكل يدل على الجميع ، والجميع على الكل ، فما وجه تكرار ذلك وكل واحدة منهما تغني عن الأَخرى ؟ قيل : قد اختلف أهل العربية في ذلك ، فقال بعض نحويي أهل البصرة : جاء بقوله " جميعا " في هذا الموضع توكيدا كما قال : لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ ففي قوله : " إلهين " دليل على الاثنين . وقال غيره : جاء بقوله " جميعا " بعد " كلهم " ، لأَن " جميعا " لا تقع إلا توكيدا ، و " كلهم " يقع توكيدا واسما ؛ فلذلك جاء ب " جميعا " بعد " كلهم " . قال : ولو قيل إنه جمع بينهما ليعلم أن معناهما واحد لجاز هاهنا . قال : وكذلك : إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ العدد كله يفسر به ، فيقال : رأيت قوما أربعة ، فما جاء باثنين وقد اكتفى بالعدد منه لأَنهم يقولون : عندي درهم