محمد بن جرير الطبري
120
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ودرهمان ، فيكفي من قولهم : عندي درهم واحد ودرهمان اثنان ، فإذا قالوا دراهم قالوا ثلاثة ، لأَن الجمع يلتبس والواحد والاثنان لا يلتبسان ، لم يثن الواحد والتثنية على تنافي الجمع ، لأَنه ينبغي أن يكون مع كل واحد واحد ، لأَن درهما يدل على الجنس الذي هو منه ، وواحد يدل على كل الأَجناس ، وكذلك اثنان يدلان على كل الأَجناس ، ودرهمان يدلان على أنفسهما ، فلذلك جاء بالأَعداد لأَنه الأَصل . وقوله : أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : إنه لن يصدقك يا محمد ولن يتبعك ويقر بما جئت به إلا من شاء ربك أن يصدقك ، لا بإكراهك إياه ولا بحرصك على ذلك ، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين لك مصدقين على ما جئتهم به من عند ربك ؟ يقول له جل ثناؤه : فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ الذين حقت عليهم كلمة ربك أنهم لا يؤمنون القول في تأويل قوله تعالى : وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ يقول تعالى ذكره لنبيه : وما كان لنفس خلقتها من سبيل إلى تصديقك يا محمد إلا بإذن أذن لها في ذلك ، فلا تجهدن نفسك في طلب هداها ، وبلغها وعيد الله وعرفها ما أمرك ربك بتعريفها ، ثم خلها ، فإن هداها بيد خالقها . وكان الثوري يقول في تأويل قوله : إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ما : حدثني المثني ، قال : ثنا سويد ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن سفيان ، في قوله : وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ قال : بقضاء الله . وأما قوله : وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ فإنه يقول تعالى ذكره : إن الله يهدي من يشاء من خلقه للإِيمان بك يا محمد ، ويأذن له في تصديقك فيصدقك ويتبعك ، ويقر بما جئت به من عند ربك ، ويجعل الرجس ، وهو العذاب ، وغضب الله على الذين لا يعقلون ؛ يعني الذين لا يعقلون عن الله حججه ومواعظه وآياته التي دل بها جل ثناؤه على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وحقيقة ما دعاهم إليه من توحيد الله وخلع الأَنداد والأَوثان . حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ قال : السخط . القول في تأويل قوله تعالى : قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يقول تعالى ذكره : قُلِ يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك ، السائليك الآيات على صحة ما تدعوهم إليه من توحيد الله وخلع الأَنداد والأَوثان : انْظُرُوا أيها القوم ما ذا فِي السَّماواتِ من الآيات الدالة على حقيقة ما أدعوكم إليه من توحيد الله من شمسها وقمرها ، واختلاف ليلها ونهارها ، ونزول الغيث بأرزاق العباد من سحابها ، وَ في الْأَرْضِ من جبالها وتصدعها بنباتها ، وأقوات أهلها ، وسائر صنوف عجائبها ؛ فإن في ذلك لكم إن عقلتم وتدبرتم موعظة ومعتبرا ، ودلالة على أن ذلك من فعل من لا يجوز أن يكون له في ملكه شريك ولا له تدبيره وحفظه يغنيكم عما سواه من الآيات . يقول الله جل ثناؤه : وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ يقول جل ثناؤه : وما تغني الحجج والعبر والرسل المنذرة عبادة الله عقابه عن قوم قد سبق لهم من الله الشقاء وقضى لهم في أم الكتاب أنهم من أهل النار لا يؤمنون بشيء من ذلك ولا يصدقون به . وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ