محمد بن جرير الطبري
99
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الأَعرج : فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ يقول : أحكموا أمركم وادعوا شركاؤكم . ونصب قوله : وَشُرَكاءَكُمْ بفعل مضمر له ، وذلك : وادعوا شركاءكم ، وعطف بالشركاء على قوله : أَمْرَكُمْ على نحو قول الشاعر : ورأيت زوجك في الوغي * متقلدا سيفا ورمحا فالرمح لا يتقلد ، ولكن لما كان فيما أظهر من الكلام دليل على ما حذف ، فاكتفي بذكر ما ذكر منه مما حذف ، فكذلك ذلك في قوله : وَشُرَكاءَكُمْ واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته قراء الأَمصار : وَشُرَكاءَكُمْ نصبا ، وقوله : فَأَجْمِعُوا بهمز الأَلف وفتحها ، من أجمعت أمري فأنا أجمعه إجماعا . وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرؤه : فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ بفتح الأَلف وهمزها " وشركاءكم " بالرفع على معنى : وأجمعوا أمركم ، وليجمع أمرهم أيضا معكم شركاؤكم . والصواب من القول في ذلك قراءة من قرأ : فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ بفتح الأَلف من " أجمعوا " ، ونصب " الشركاء " ، لأَنها في المصحف بغير واو ، ولإِجماع الحجة على القراءة بها ورفض ما خالفها ، ولا يعترض عليها بمن يجوز عليه الخطأ والسهو . وعنى بالشركاء آلهتهم وأوثانهم . وقوله : ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً يقول : ثم لا يكن أمركم عليكم ملتبسا مشكلا مبهما ؛ من قولهم : غم على الناس الهلال ، وذلك إذا أشكل عليهم فلم يتبينوه ، ومنه قول رؤبة : بل لو شهدت الناس إذ تكموا * بغمة لو لم تفرج غموا وقيل : إن ذلك من الغم ، لأَن الصدر يضيق به ولا يتبين صاحبه لأَمره مصدرا يصدره يتفرج عنه ما بقلبه ، ومنه قول خنساء : وذي كربة راحني ابن عمرو خناقه * وغمته عن وجهه فتجلت وكان قتادة يقول في ذلك ما : حدثنا محمد بن عبد الأَعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً قالا : لايكبر عليكم أمركم . وأما قوله : ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ فإن معناه : ثم امضوا إلي ما في أنفسكم وافرغوا منه . كما : حدثني محمد بن عبد الأَعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن حمر ، عن قتادة : ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ قال : اقضوا إلي ما كنتم قاضين . حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ قال : اقضوا إلي ما في أنفسكم . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . واختلف أهل المعرفة بكلام العرب في معنى قوله : ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ فقال بعضهم : معناه : امضوا إلي ، كما يقال : قد قضى فلان ، يراد : قد مات ومضى . وقال آخرون منهم : بل معناه : ثم افرغوا إلي ، وقالوا : القضاء : الفراغ ، والقضاء من ذلك . قالوا : وكأن قضى دينه من ذلك إنما هو فرغ منه . وقد حكي عن بعض القراء أنه قرأ ذلك : " ثم أفضوا إلي " أفضوا بمعنى : توجهوا إلي حتى تصلوا إلي ، من قولهم : قد أفضى إلى الوجع وشبهه . وقوله : وَلا تُنْظِرُونِ يقول : ولا تؤخرون ، من قول القائل : أنظرت فلانا بما لي عليه من الدين . وإنما هذا خبر من الله تعالى ذكره عن قول نبيه نوح عليه السلام لقومه : إنه بنصرة الله له عليهم واثق ومن كيدهم وتواثقهم غير خائف ، وإعلام منه لهم أن آلهتهم لا تضر ولا تنفع ، يقول لهم : امضوا ما تحدثون أنفسكم به في علي عزم منكم صحيح ، واستعينوا من شايعكم علي بآلهتكم التي تدعون من دون الله ، ولا تؤخروا ذلك فإني قد توكلت على الله وأنا به واثق أنكم لا تضروني إلا أن يشاء ربي . وهذا وإن كان خبرا من الله تعالى عن نوح ، فإنه حث من الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم على التأسي به وتعريف منه سبيل الرشاد فيما قلده من