محمد بن جرير الطبري

100

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

الرسالة والبلاغ عنه . القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل نبيه نوح عليه السلام لقومه : فإن توليتم أيها القوم عني بعد دعائي إياكم وتبليغ رسالة ربي إليكم مدبرين ، فأعرضتم عما دعوتكم إليه من الحق والإِقرار بتوحيد الله وإخلاص العبادة له وترك إشراك الآلهة في عبادته ، فتضيع منكم وتفريط في واجب حق الله عليكم ، لا بسبب من قبلي ؛ فإني لم أسألكم على ما دعوتكم إليه أجرا ولا عوضا أعتاضه منكم بإجابتكم إياي إلى ما دعوتكم إليه من الحق والمدى ، ولا طلبت منكم عليه ثوابا ولا جزاء . إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ يقول جل ثناؤه : إن جزائي وأجر عملي وثوابه إلا على ربي لا عليكم أيها القوم ولا على غيركم . وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وأمرني ربي أن أكون من المذعنين له بالطاعة المنقادين لأَمره ونهيه المذللين له ، ومن أجل ذلك أدعوكم إليه وبأمره آمركم بترك عبادة الأَوثان . القول في تأويل قوله تعالى : فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ يقول تعالى ذكره : فكذب نوحا قومه فيما أخبرهم به عن الله من الرسالة والوحي ، فنجيناه ومن معه ممن حمل معه في الفلك ، يعني في السفينة . وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ يقول : وجعلنا الذين نجينا مع نوح في السفينة خلائف في الأَرض من قومه الذين كذبوه بعد أن أغرقنا الذين كذبوا بآياتنا ، يعني حججنا وأدلتنا على توحيدنا ، ورسالة رسولنا نوح . يقول الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : فانظر يا محمد كيف كان عاقبة المنذرين ، وهم الذين أنذرهم نوح عقاب الله على تكذيبهم إياه وعبادتهم الأَصنام ، يقول له جل ثناؤه : انظر ماذا أعقبهم تكذيبهم رسولهم ، فإن عاقبة من كذبك من قومك أن تمادوا في كفرهم وطغيانهم على ربهم نحو الذي كان من عاقبة قوم نوح حين كذبوه ، يقول جل ثناؤه : فليحذروا أن يحل بهم مثل الذي حل بهم إن لم يتوبوا . القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا يقول تعالى ذكره : ثم بعثنا من بعد نوح رسلا إلى قومهم ، فأتوهم ببينات من الحجج والأَدلة على صدقهم ، وأنهم لله رسل ، وأن ما يدعونهم إليه حق . فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ يقول : فما كانوا ليصدقوا بما جاءتهم به رسلهم بما كذب به قوم نوح ومن قبلهم من الأَمم الخالية من قبلهم . كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ يقول تعالى ذكره : كما طبعنا على قلوب أولئك فختمنا عليها فلم يكونوا يقبلون من أنبياء الله نصيحتهم ولا يستجيبون لدعائهم إياهم إلى ربهم بما اجترموا من الذنوب واكتسبوا من الآثام ، كذلك نطبع على قلوب من اعتدى على ربه ، فتجاوز ما أمره به من توحيده ، وخالف ما دعاهم إليه رسلهم من طاعته ، عقوبة لهم على معصيتهم ربهم من هؤلاء الآخرين من بعدهم . القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ بِآياتِنا يقول تعالى ذكره : ثم بعثنا من بعد هؤلاء الرسل الذين أرسلناهم من بعد نوح إلى قومهم موسى وهارون ابني عمران إلى فرعون مصر وَمَلَائِهِ يعني : وأشراف قومه وسادتهم ، بِآياتِنا يقول : بأدلتنا على حقيقة ما دعوهم إليه من الإِذعان لله بالعبودة ، والإِقرار لهما بالرسالة . فَاسْتَكْبَرُوا يقول : فاستكبروا عن الإِقرار بما دعاهم إليه موسى وهارون . وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ يعني : آثمين بربهم بكفرهم بالله تعالى .