محمد بن جرير الطبري

93

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

في كل شهر عامين ، حتى وافق حجة أبي بكر رضي الله عنه الآخر من العامين في ذي القعدة . ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم حجته التي حج ، فوافق ذا الحجة ، فذلك حين يقول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته : " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض " . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ قال : حجوا في ذي الحجة عامين ، ثم حجوا في المحرم عامين ، ثم حجوا في صفر عامين ، فكانوا يحجون في كل سنة في كل شهر عامين ، حتى وافقت حجة أبي بكر الآخر من العامين في ذي القعدة قبل حجة النبي صلى الله عليه وسلم بسنة . ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم من قابل في ذي الحجة . فذلك حين يقول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته : " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض " . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا عمران بن عيينة ، عن حصين ، عن أبي مالك : إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ قال : كانوا يجعلون السنة ثلاثة عشرا شهرا ، فيجعلون المحرم صفر ا ، فيستحلون فيه الحرمات . فأنزل الله : إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الآية . قال : هذا رجل من بني كنانة يقال له القلمس ، كان في الجاهلية ، وكانوا في الجاهلية لا يغير بعضهم على بعض في الشهر الحرام ، يلقى الرجل قاتل أبيه فلا يمد إليه يده . فلما كان هو ، قال : أخرجوا بنا قالوا له : هذا المحرم . فقال : ننسئه العام ، هما العام صفران ، فإذا كان عام قابل قضينا فجعلناهما محرمين قال : ففعل ذلك . فلما كان عام قابل ، قال : لا تغزوا في صفر حرموه مع المحرم ، هما محرمان ؛ المحرم أنسأناه عاما أول ونقضيه ؛ ذلك الإنساء . وقال شاعرهم : ومنا منسئ الشهر القلمس وأنزل الله : إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ إلى آخر الآية . وأما قوله : زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ فإن معناه : زيادة كفر بالنسيء إلى كفرهم بالله . وقيل ابتداعهم النسيء ؛ كما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يقول : ازدادوا به كفرا إلى كفرهم . وأما قوله : لِيُواطِؤُا فإنه من قول القائل : واطأت فلانا على كذا أواطئه مواطأة : إذا وافقته عليه ، معينا له ، غير مخالف عليه . وروي عن ابن عباس في ذلك ما : حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ يقول : يشبهون . وذلك قريب المعنى مما بينا ، وذلك أن ما شابه الشيء فقد وافقه من الوجه الذي شابهه . وإنما معنى الكلام : أنهم يوافقون بعدة الشهور التي يحرمونها عدة الأشهر الأربعة التي حرمها الله ، لا يزيدون عليها ولا ينقصون منها ، وإن قدموا وأخروا فذلك مواطأة عدتهم عدة ما حرم الله . القول في تأويل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ وجوب النفر وهذه الآية حث من الله جل ثناؤه المؤمنين به من أصحاب رسوله على غزو الروم ، وذلك غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك . يقول جل ثناؤه : يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله ما لَكُمْ أي شيء أمركم ، إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ يقول : إذا قال لكم رسول الله محمد : انفروا أي اخرجوا من منازلكم إلى مغزاكم . وأصل النفر : مفارقة مكان إلى مكان لأمر هاجه على ذلك ، ومنه نفور الدابة غير أنه يقال من النفر إلى الغزو : نفر