محمد بن جرير الطبري

94

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

فلان إلى ثغر كذا ينفر نفرا ونفيرا ، وأحسب أن هذا من الفروق التي يفرقون بها بين اختلاف المخبر عنه وإن اتفقت معاني الخبر ؛ فمعنى الكلام : ما لكم أيها المؤمنون إذا قيل لكم : اخرجوا غزاة في سبيل الله ؛ أي في جهاد أعداء الله ، اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ يقول تثاقلتم إلى لزوم أرضكم ومساكنكم والجلوس فيها . وقيل : " اثاقلتم " لأنه أدغم التاء في الثاء . فأحدث لها ألف ليتوصل إلى الكلام بها . لأن التاء مدغمة في الثاء ، ولو أسقطت الألف وابتدئ بها لم تكن إلا متحركة ، فأحدثت الألف لتقع الحركة بها ، كما قال جل ثناؤه : حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً وكما قال الشاعر : تولي الضجيع إذا ما استافها خصرا * عذب المذاق إذا ما أتابع القبل فهو بنى الفعل افتعلتم من التثاقل . وقوله : أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ يقول جل ثناؤه ، أرضيتم بحظ الدنيا والدعة فيها عوضا من نعيم الآخرة وما عند الله للمتقين في جنانه ؟ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ يقول : فما الذي يستمتع به المتمتعون في الدنيا من عيشها ولذاتها في نعيم الآخرة والكرامة التي أعدها الله لأوليائه وأهل طاعته إِلَّا قَلِيلٌ يسير . يقول لهم : فاطلبوا أيها المؤمنون نعيم الآخرة وترف الكرامة التي عند الله لأوليائه بطاعته ، والمسارعة إلى الإجابة إلى أمره في النفير لجهاد عدوه . وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ وجوب النفر أمروا بغزوة تبوك بعد الفتح وبعد الطائف ، وبعد حنين . أمروا بالنفير في الصيف حين خرفت النخل ، وطابت الثمار ، واشتهوا الظلال ، وشق عليهم المخرج . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ الآية ، قال : هذا حين أمروا بغزوة تبوك بعد الفتح وحنين ، وبعد الطائف أمرهم بالنفير في الصيف ، حين اخترفت النخل ، وطابت الثمار ، واشتهوا الظلال ، وشق عليهم المخرج . قال : فقالوا : منا الثقيل ، وذو الحجة ، والضيعة ، والشغل ، والمنتشر به أمره في ذلك كله . فأنزل الله : انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا القول في تأويل قوله تعالى : إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يقول تعالى ذكره للمؤمنين به من أصحاب رسوله ، متوعدهم على ترك النفر إلى عدوهم من الروم : إن لم تنفروا أيها المؤمنون إلى من استنفركم رسول الله ، يعذبكم الله عاجلا في الدنيا بترككم النفر إليهم عذابا موجعا . وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ يقول : يستبدل الله بكم نبيه قوما غيركم ، ينفرون إذا استنفروا ، ويجيبونه إذا دعوا ، ويطيعون الله ورسوله . وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً يقول : ولا تضروا الله بترككم النفير ومعصيتكم إياه شيئا ، لأنه لا حاجة به إليكم ، بل أنتم أهل الحاجة إليه ، وهو الغني عنكم وأنتم الفقراء وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يقول جل ثناؤه : والله على إهلاككم واستبدال قوم غيركم بكم وعلى كل ما يشاء من الأشياء قدير . وقد ذكر أن العذاب الأليم في هذا الموضع كان احتباس القطر عنهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا زيد بن الحباب ، قال : ثني عبد المؤمن بن خالد الحنفي ، قال : ثني نجدة الخراساني ، قال : سمعت ابن عباس ، سئل عن قوله : إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استنفر حيا من أحياء العرب ، فتثاقلوا عنه ،