محمد بن جرير الطبري
72
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الزهري ، عن كثير بن عباس بن عبد المطلب ، عن أبيه عباس بن عبد المطلب ، قال : لما كان يوم حنين التقى المسلمون والمشركون ، فولى المسلمون يومئذ . قال : فلقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وما معه أحد إلا أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب ، آخذا بغرز النبي صلى الله عليه وسلم ، لا يألو ما أسرع نحو المشركين . قال : فأتيت حتى أخذت بلجامه وهو على بغلة له شهباء ، فقال : " يا عباس ناد أصحاب السمرة " وكنت رجلا صيتا ، فأذنت بصوتي الأعلى : أين أصحاب السمرة ؟ فالتفتوا كأنها الإبل إذا حنت إلى أولادها ، يقولون : يا لبيك يا لبيك يا لبيك وأقبل المشركون فالتقوا هم والمسلمون ، وتنادت الأنصار : يا معشر الأنصار ثم قصرت الدعوة في بني الحرث بن الخزرج ، فتنادوا : يا بني الحرث بن الخزرج فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته كالمتطاول إلى قتالهم ، فقال : " هذا حين حمي الوطيس " . ثم أخذ بيده من الحصباء فرماهم بها ، ثم قال : " انهزموا ورب الكعبة انهزموا ورب الكعبة " قال : فوالله ما زال أمرهم مدبرا وحد حتى هزمهم الله . قال : فلكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض خلفهم على بغلته . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب : أنهم أصابوا يومئذ ستة آلاف سبي ، ثم جاء قومهم مسلمين بعد ذلك ، فقالوا : يا رسول الله ، أنت خير الناس ، وأبر الناس ، وقد أخذت أبناءنا ونساءنا وأموالنا . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن عندي من ترون ، وإن خير القول أصدقه ، اختاروا إما ذراريكم ونساءكم وإما أموالكم " قالوا : ما كنا نعدل بالأحساب شيئا . فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " إن هؤلاء قد جاءوني مسلمين ، وإنا خيرناهم بين الذراري والأموال فلم يعدلوا بالأحساب شيئا ، فمن كان بيده منهم شيء فطابت نفسه أن يرده فليفعل ذلك ، ومن لا فليعطنا ، وليكن قرضا علينا حتى نصيب شيئا فنعطيه مكانه " فقالوا : يا نبي الله رضينا وسلمنا . فقال : " إني لا أدري ، لعل منكم من لا يرضى ، فمروا عرفاءكم فليرفعوا ذلك إلينا " فرفعت إليه العرفاء أن قد رضوا وسلموا . حدثنا علي بن سهل ، قال : ثنا مؤمل ، قال : ثنا حماد بن سلمة ، قال : ثنا يعلى بن عطاء ، عن أبي همام ، عن أبي عبد الرحمن ، يعني الفهري ، قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين ؛ فلما ركدت الشمس لبست لأمتي وركبت فرسي ، حتى أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في ظل شجرة ، فقلت : يا رسول الله قد حان الرواح ، فقال : " أجل " فنادى : " يا بلال يا بلال " فقام بلال من تحت سمرة ، فأقبل كأن ظله ظل طير ، فقال : لبيك وسعديك ، ونفسي فداؤك يا رسول الله فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " أسرج فرسي " فأخرج سرجا دفتاه حشوهما ليف ، ليس فيهما أشر ولا بطر . قال : فركب النبي صلى الله عليه وسلم ، فصاففناهم يومنا وليلتنا ؛ فلما التقى الخيلان ولى المسلمون مدبرين ، كما قال الله ، فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا عباد الله ، يا معشر المهاجرين " قال : ومال النبي صلى الله عليه وسلم عن فرسه ، فأخذ حفنة من تراب فرمى بها وجوههم ، فولوا مدبرين . قال يعلى بن عطاء : فحدثني أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا : ما بقي منا أحد إلا وقد امتلأت عيناه من ذلك التراب . حدثنا محمد بن المثني ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، قال : سمعت البراء ، وسأله رجل من قيس : فررتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين ؟ فقال البراء : لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر ، وكانت هوازن يومئذ رماة ، وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا فأكببنا على الغنائم فاستقبلونا بالسهام ،