محمد بن جرير الطبري
56
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
بالأشهر الحرم : ذا القعدة ، وذا الحجة ، والمحرم ، أو إنما أريد في هذا الموضع انسلاخ المحرم وحد ، لأن الأذان كان ببراءة يوم الحج الأكبر ، فمعلوم أنهم لم يكونوا أجلوا الأشهر الحرم كلها ؛ وقد دللنا على صحة ذلك فيما مضى . ولكنه لما كان متصلا بالشهرين الآخرين قبله الحرامين وكان هو لهما ثالثا وهي كلها متصل بعضها ببعض ، قيل : فإذا انسلخ الأشهر الحرم . ومعنى الكلام : فإذا انقضت الأشهر الحرم الثلاثة عن الذين لا عهد لهم ، أو عن الذين كان لهم عهد ، فنقضوا عهدهم بمظاهرتهم الأعداء على رسول الله وعلى أصحابه ، أو كان عهدهم إلى أجل غيره معلوم ؛ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ يقول : فاقتلوهم حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ يقول : حيث لقيتوهم من الأرض في الحرم وغير الحرم في الأشهر الحرم وغير الأشهر الحرم . وَخُذُوهُمْ يقول : وأسروهم وَاحْصُرُوهُمْ يقول : وامنعوهم من التصرف في بلاد الإسلام ودخول مكة . وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ يقول : واقعدوا لهم بالطلب لقتلهم أو أسرهم كل مرصد . يعني : كل طريق ومرقب ، وهو مفعل من قول القائل رصدت فلانا أرصده رصدا ، بمعنى : رقبته . فَإِنْ تابُوا يقول : فإن رجعوا عما نهاهم عليه من الشرك بالله وجحود نبوة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له ، دون الآلهة والأنداد ، والإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم . وَأَقامُوا يقول : وأدوا ما فرض الله عليهم من الصلاة بحدودها وأعطوا الزكاة التي أوجبها الله عليهم في أموالهم أهلها . فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ يقول : فدعوهم يتصرفون في أمصاركم ويدخلون البيت الحرام . إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لمن تاب من عباده ، فأناب إلى طاعته بعد الذي كان عليه من معصيته ، ساتر على ذنبه ، رحيم به أن يعاقبه على ذنوبه السالفة قبل توبته ، بعد التوبة . وقد ذكرنا اختلاف المختلفين في الذين أجلوا إلى انسلاخ الأشهر الحرم . وبنحو ما قلنا في تأويل ذلكقال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا عبد الأعلى بن واصل الأسدي ، قال : ثنا عبد الله بن موسى ، قال : أخبرنا أبو جعفر الرازي عن الربيع ، عن أنس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحد وعبادته لا يشرك له شيئا ، فارقها والله عنه راض " قال : وقال أنس : هو دين الله الذي جاءت به الرسل ، وبلغوه عن ربهم قبل هرج الأحاديث واختلاف الأهواء ، وتصديق ذلك في كتاب الله في آخر ما أنزل الله ، قال الله : فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ قال : توبتهم خلع الأوثان وعبادة ربهم ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة . ثم قال في آية أخرى : فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ حتى ختم آخر الآية . وكان قتادة يقول : خلوا سبيل من أمركم الله أن تخلوا سبيله ، فإنما الناس ثلاثة رهط : مسلم عليه الزكاة . ومشرك عليه الجزية . وصاحب حرب يأمن بتجارته في المسلمين إذا أعطى عشور ماله . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ وهي الأربعة التي عددت لك ، يعني عشرين من ذي الحجة والمحرم وصفر وربيعا الأول وعشر شهر ربيع الآخر . وقال قائلوا هذه المقالة : قيل لهذه الأشهر الحرم لأن الله عز وجل حرم على المؤمنين فيها دماء المشركين والعرض لهم إلا بسبيل خير . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن إبراهيم بن أبي بكر ، أنه أخبره ،