محمد بن جرير الطبري
57
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عن مجاهد وعمرو بن شعيب ، في قوله : فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ أنها الأربعة التي قال الله : فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ قال : هي الحرم من أجل أنهم أومنوا فيها حتى يسيحوها . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ قال : ضرب لهم أجل أربعة أشهر ، وتبرأ من كل مشرك ، ثم أمر إذا انسلخت تلك الأشهر الحرم فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ لا تتركوهم يضربون في البلاد ، ولا يخرجون للتجارة ، ضيقوا عليهم . بعدها أمر بالعفو : فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ يعني الأربعة التي ضرب الله لهم أجلا لأهل العهد العام من المشركين . فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ الآية . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ يقول تعالى ذكره لنبيه : وإن استأمنك يا محمد من المشركين الذين أمرتك بقتالهم وقتلهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم أحد ليسمع كلام الله منك ، وهو القرآن الذي أنزله الله عليه . فَأَجِرْهُ يقول : فأمنه . حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ وتتلوه عليه . ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ يقول : ثم رده بعد سماعه كلام الله إن هو أبي أن يسلم ولم يتعظ لما تلوته عليه من كلام الله فيؤمن ؛ إلى مأمنه ، يقول : إلى حيث يأمن منك وممن في طاعتك حتى يلحق بداره وقومه من المشركين . ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ يقول : تفعل ذلك بهم من إعطائك إياهم الأمان ، ليسمعوا القرآن ، وردك إياهم إذا أبوا الإسلام إلى مأمنهم ، من أجل أنهم قوم جهلة لا يفقهون عن الله حجة ولا يعلمون ما لهم بالإيمان بالله لو آمنوا وما عليهم من الوزر والإثم بتركهم الإيمان بالله . وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكرمن قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ أي من هؤلاء الذين أمرتك بقتالهم ، فَأَجِرْهُ حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ أما كلام الله : فالقرآن . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ قال : إنسان يأتيك فيسمع ما تقول ويسمع ما أنزل عليك ؛ فهو آمن حتى يأتيك فيسمع كلام الله ، وحتى يبلغ مأمنه حيث جاء . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، بنحوه . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يعقوب ، عن جعفر ، عن سعيد ، قال : خرج رسوله الله صلى الله عليه وسلم غازيا ، فلقي العدو ، وأخرج المسلمون رجلا من المشركين وأشرعوا فيه الأسنة ، فقال الرجل ارفعوا عني سلاحكم ، وأسمعوني كلام الله تعالى استجارك فقالوا : تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وتخلع الأنداد وتتبرأ من اللات والعزى ؟ فقال : فإني أشهدكم أني قد فعلت . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ قال : إن لم يوافقه ما تقول عليه وتحدثه ، فأبلغه . قال : وليس هذا بمنسوخ . واختلفت في حكم هذه الآية ، وهل هو منسوخ أو هو غير منسوخ ؟ فقال بعضهم : هو غير منسوخ . وقد ذكرنا قول من قال ذلك . وقال آخرون : هو منسوخ . ذكرمن قال ذلك : حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا