محمد بن جرير الطبري

43

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

كان للفريقين واحدا ، أعني الذي له العهد والذي لا عهد له ؛ غير أن أجل الذي كان له عهد كان أربعة أشهر ، والذي لا عهد له : انسلاخ الأشهر الحرم ، وذلك انقضاء المحرم . ذكر من قال ذلك : حدثنا المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، في قوله : بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ قال : حد الله للذين عاهدوا رسوله أربعة أشهر يسيحون فيها حيثما شاءوا ، وحد أجل من ليس له عهد انسلاخ الأشهر الحرم من يوم النحر إلى انسلاخ المحرم ، فذلك خمسون ليلة ؛ فإذا انسلخ الأشهر الحرم أمره بأن يضع السيف فيمن عاهد . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قال : لما نزلت بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ إلى : وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ يقول : براءة من المشركين الذين كان لهم عهد ، يوم نزلت براءة . فجعل مدة من كان له عهد قبل أن تنزل براءة أربعة أشهر ، وأمرهم أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر ، وجعل مدة المشركين الذين لم يكن لهم عهد قبل أن ينزل براءة انسلاخ الأشهر الحرم ، وانسلاخ الأشهر الحرم من يوم أذن ببراءة إلى انسلاخ المحرم وهي خمسون ليلة : عشرون من ذي الحجة ، وثلاثون من المحرم . فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ إلى قوله : وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ يقول : لم يبق لأحد من المشركين عهد ولا ذمة منذ نزلت براءة ، وانسلخ الأشهر الحرم ، ومدة من كان له عهد من المشركين قبل أن تنزل براءة أربعة أشهر من يوم أذن ببراءة إلى عشر من أول ربيع الآخر ، فذلك أربعة أشهر . حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ ، قال : ثنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قبل أن تنزل براءة عاهد ناسا من المشركين من أهل مكة وغيرهم ، فنزلت براءة من الله إلى كل أحد ممن كان عاهدك من المشركين فإني أنقض العهد الذي بينك وبينهم ، فأؤجلهم أربعة أشهر يسيحون حيث شاءوا من الأرض آمنين ، وأجل من لم يكن بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد انسلاخ الأشهر الحرم من يوم أذن ببراءة وأذن بها يوم النحر ، فكان عشرين من ذي الحجة والمحرم ثلاثين ، فذلك خمسون ليلة . فأمر الله نبيه إذا انسلخ المحرم أن يضع السيف فيمن لم يكن بينه وبين نبي الله صلى الله عليه وسلم عهد يقتلهم حتى يدخلوا في الإسلام ، وأمر بمن كان له عهد إذا انسلخ أربعة من يوم النحر أن يضع فيهم السيف أيضا يقتلهم حتى يدخلوا في الإسلام . فكانت مدة من لا عهد بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسين ليلة من يوم النحر ، ومدة من كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد أربعة أشهر من يوم النحر إلى عشر يخلون من شهر ربيع الآخر . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلى قوله : وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ قال : ذكر لنا أن عليا نادى بالأذان ، وأمر على الحاج أبو بكر رضي الله عنهما ، وكان العام الذي حج فيه المسلمون والمشركون ، ولم يحج المشركون بعد ذلك العام . قوله : الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إلى قوله : إِلى مُدَّتِهِمْ قال : هم مشركو قريش الذين عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية ، وكان بقي من مدتهم أربعة أشهر بعد يوم النحر وأمر الله نبيه أن يوفي بعهدهم إلى مدتهم ومن لا عهد له انسلاخ المحرم ، ونبذ إلى كل ذي عهد عهده ، وأمر بقتالهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، ولا يقبل منهم إلا ذلك . وقال آخرون :