محمد بن جرير الطبري
28
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
من المؤمنين أن يقاتل عشرة من الكفار ، فشق ذلك على المؤمنين ورحمهم الله ، فقال : فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ فأمر الله الرجل من المؤمنين أن يقاتل رجلين من الكفار . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إلى قوله : بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ الجهاد وذلك أنه كان جعل على كل رجل من المسلمين عشرة من العدو يؤشبهم ، يعني يغريهم بذلك ليوطنوا أنفسهم على الغزو ، وإن الله ناصرهم على العدو ، ولم يكن أمرا عزمه الله عليهم ولا أوجبه ، ولكن كان تحريضا ووصية أمر الله بها نبيه . ثم خفف عنهم فقال : الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً الجهاد فجعل على كل رجل رجلين بعد ذلك تخفيفا ، ليعلم المؤمنون أن الله بهم رحيم ، فتوكلوا على الله وصبروا وصدقوا ، ولو كان عليهم واجبا الغزو إذن بعد كل رجل من المسلمين عمن لقي من الكفار إذا كانوا أكثر منهم فلم يقاتلوهم . فلا يغرنك قول رجال ، فإني قد سمعت رجالا يقولون : إنه لا يصلح لرجل من المسلمين أن يقاتل حتى يكون على كل رجل رجلان ، وحتى يكون على كل رجلين أربعة ، ثم بحساب ذلك ، وزعموا أنهم يعصون الله إن قاتلوا حتى يبلغوا عدة ذلك ، وإنه لا حرج عليهم أن لا يقاتلوا حتى يبلغوا عدة أن يكون على كل رجل رجلان ، وعلى كل رجلين أربعة ، وقد قال الله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ وقال الله : فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ فهو التحريض الذي أنزل الله عليهم في الأنفال ، فلا يعجزك قائل : قد سقطت بين ظهري أناس كما شاء الله أن يكونوا . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، عن الحصين ، عن يزيد ، عن عكرمة والحسن قالا : قال في سورة الأنفال : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ الجهاد ثم نسخ فقال : الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً إلى قوله : وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن مغيرة ، عن عكرمة ، في قوله : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ قال : واحد من المسلمين وعشرة من المشركين الجهاد ، ثم خفف عنهم فجعل عليهم أن لا يفر رجل من رجلين . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ . . . إلى قوله : وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ الجهاد قال : هذا لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يوم بدر ، جعل على الرجل منهم عشرة من الكفار ، فضجوا من ذلك ، فجعل على الرجل رجلين تخفيفا من الله . حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا إبراهيم بن يزيد ، عن عمرو بن دينار وأبي معبد عن ابن عباس ، قال : إنما أمر الرجل أن يصبر نفسه لعشرة ، والعشرة لمائة إذ المسلمون قليل الجهاد ؛ فلما كثر المسلمون خفف الله عنهم ، فأمر الرجل أن يصبر لرجلين ، والعشرة للعشرين ، والمائة للمئتين . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن ابن أبي نجيح : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ الجهاد قال : كان فرض عليهم إذا لقي عشرون مئتين أن لا يفروا فإنهم إن لم يفروا غلبوا ، ثم خفف الله عنهم وقال : فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ فيقول : لا ينبغي أن يفر ألف من ألفين ، فإنهم إن