محمد بن جرير الطبري
29
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
صبروا لهم غلبوهم . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ الجهاد جعل الله على كل رجل رجلين بعد ما كان على كل رجل عشرة . وهذا الحديث عن ابن عباس . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا يزيد بن هارون ، عن جرير بن حازم ، عن الزبير بن الخريت ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : كان فرض على المؤمنين أن يقاتل الرجل منهم عشرة من المشركين ، قوله : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً الجهاد فشق ذلك عليهم ، فأنزل الله التخفيف ، فجعل على الرجل أن يقاتل الرجلين ، قوله : فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ فخفف الله عنهم ، ونقصوا من الصبر بقدر ذلك . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ الجهاد يقول : يقاتلوا مئتين ، فكانوا أضعف من ذلك ، فنسخها الله عنهم ، فخفف فقال : فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ فحمل أول مرة الرجل لعشرة ، ثم جعل الرجل لاثنين . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ قال : كان فرض عليهم إذا لقي عشرون مئتين أن لا يفروا ، فإنهم إن لم يفروا غلبوا ، ثم خفف الله عنهم فقال : فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ الجهاد فيقول : لا ينبغي أن يفر ألف من ألفين ، فإنهم إن صبروا لهم غلبوهم . حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا الثوري ، عن جويبر ، عن الضحاك ، قال : كان هذا واجبا أن لا يفر واحد من عشرة الجهاد . وبه قال : أخبرنا الثوري ، عن ليث ، عن عطاء ، مثل ذلك . وأما قوله : بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ فقد بينا تأويله وكان ابن إسحاق يقول في ذلك ما : حدثنا به ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ أي لا يقاتلون على نية ، ولا حق فيه ، ولا معرفة لخير ولا شر . وهذه الآية ، أعني قوله : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإن كان مخرجها مخرج الخبر ، فإن معناها الأمر ، يدل على ذلك قوله : الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ الجهاد فلم يكن التخفيف إلا بعد التثقيل ، ولو كان ثبوت العشرة منهم للمائة من عدوهم كان غير فرض عليهم قبل التخفيف وكان ندبا لم يكن للتخفيف وجه ؛ لأن التخفيف إنما هو ترخيص في ترك الواحد من المسلمين الثبوت للعشرة من العدو ، وإذا لم يكن التشديد قد كان له متقدما لم يكن للترخيص وجه ، إذ كان المفهوم من الترخيص إنما هو بعد التشديد . وإذ كان ذلك كذلك ، فمعلوم أن حكم قوله : الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً ناسخ لحكم قوله : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ، وقد بينا في كتابنا " لطيف البيان عن أصول الأحكام " أن كل خبر من الله وعد فيه عباده على عمل ثوابا وجزاء ، وعلى تركه عقابا وعذابا ، وإن لم يكن خارجا ظاهره مخرج الأمر ، ففي معنى الأمر بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . واختلفت القراء في قراءة قوله : وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فقرأه بعض المدنيين وبعض البصريين : " وعلم أن فيكم ضعفا " بضم الضاد في جميع القرآن وتنوين الضعف على المصدر من ضعف الرجل ضعفا . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين : وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً بفتح الضاد على المصدر أيضا من ضعف . وقرأه بعض المدنيين : " ضعفاء " على