محمد بن جرير الطبري
27
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
واستشهد على صحة قوله ذلك بقوله : حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ . القول في تأويل قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ . . . مِنْكُمْ مِائَةٌ . . . أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً . . . وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ الجهاد حث متبعيك ومصدقيك على ما جئتهم به من الحق على قتال من أدبر وتولى عن الحق من المشركين . إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ رجلا صابِرُونَ عند لقاء العدو ، يحتسبون أنفسهم ويثبتون لعدوهم ؛ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ من عدوهم ويقهروهم . وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ عند ذلك يَغْلِبُوا منهم أَلْفاً بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ يقول : من أجل أن المشركين قوم يقاتلون على غير رجاء ثواب ولا لطلب أجر ولا احتساب ؛ لأنهم لم يفقهوا أن الله موجب لمن قاتل احتسابا وطلب موعود الله في المعاد ما وعد المجاهدين في سبيله ، فهم لا يثبتون إذا صدقوا في اللقاء خشية أن يقتلوا فتذهب دنياهم . ثم خفف تعالى ذكره عن المؤمنين إذ علم ضعفهم فقال لهم : الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً يعني أن في الواحد منهم عن لقاء العشرة من عدوهم ضعفا ، فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ عند لقائهم للثبات لهم ، يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ منهم ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ منهم بِإِذْنِ اللَّهِ يعني بتخلية الله إياهم لغلبتهم ومعونته إياهم . وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ لعدوهم وعدو الله ، احتسابا في صبره وطلبا لجزيل الثواب من ربه ، بالعون منه له والنصر عليه . وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا محمد بن محبب ، قال : ثنا سفيان ، عن ليث ، عن عطاء في قوله : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ الجهاد قال : كان الواحد لعشرة ، ثم جعل الواحد باثنين ؛ لا ينبغي له أن يفر منهما . حدثنا سعيد بن يحيى ، قال : ثنا أبي ، قال : ثنا ابن جريج ، عن عمرو بن دينار ، عن ابن عباس ، قال : جعل على المسلمين على الرجل عشرة من الكفار ، فقال : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ الجهاد فخفف ذلك عنهم ، فجعل على الرجل رجلان . قال ابن عباس : فما أحب أن يعلم الناس تخفيف ذلك عنهم . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : قال محمد بن إسحاق ، ثني عبد الله بن أبي نجيح المكي ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن عبد الله بن عباس ، قال : لما نزلت هذه الآية ثقلت على المسلمين وأعظموا أن يقاتل عشرون مئتين ومائة ألفا ، فخفف الله عنهم ، فنسخها بالآية الأخرى فقال : الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ الجهاد قال : وكانوا إذا كانوا على الشطر من عدوهم لم ينبغ لهم أن يفروا منهم ، وإن كانوا دون ذلك لم يجب عليهم أن يقاتلوا ، وجاز لهم أن يتحوزوا عنهم . حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ قال : كان لكل رجل من المسلمين عشرة لا ينبغي له أن يفر منهم ، فكانوا كذلك حتى أنزل الله : الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ الجهاد فعبأ لكل رجل من المسلمين رجلين من المشركين ، فنسخ الأمر الأول . وقال مرة أخرى في قوله : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ الجهاد فأمر الله الرجل