محمد بن جرير الطبري
26
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
أما سمعته يقول : لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ فقال الوليد لمجاهد : أنت أعلم مني . حدثنا عبد الكريم بن أبي عمير ، قال : ثني الوليد ، عن أبي عمرو ، قال : ثني عبدة بن أبي لبابة ، عن مجاهد ، ولقيته وأخذ بيدي ، فقال : إذا تراءى المتحابان في الله فأخذ أحدهما بيد صاحبه وضحك إليه ، تحاتت خطاياهما كما يتحات ورق الشجر . قال عبدة : فقلت له : إن هذا ليسير قال : لا تقل ذلك ، فإن الله يقول : لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ . قال عبدة : فعرفت أنه أفقه مني . حدثني محمد بن خلف ، قال : ثنا عبيد الله بن موسى ، قال : ثنا فضيل بن غزوان ، قال : أتيت أبا إسحاق ، فسلمت عليه فقلت : أتعرفني ؟ فقال : فضيل ، نعم لولا الحياء منك لقبلتك . حدثني أبو الأحوص ، عن عبد الله ، قال : نزلت هذه الآية في المتحابين في الله : لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ . حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، قال : أخبرنا ابن عون ، عن عمير بن إسحاق ، قال : كنا نتحدث أن أول ما يرفع من الناس أو قال عن الناس الألفة . حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، قال : ثنا أيوب بن سويد ، عن الأوزاعي ، قال : ثني عبدة بن أبي لبابة ، عن مجاهد ، ثم ذكر نحو حديث عبد الكريم ، عن الوليد . . . عن مجاهد ، ولقيته . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبو أسامة وابن نمير وحفص بن غياث ، عن فضيل بن غزوان ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، قال : سمعت عبد الله يقول : لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ . . . الآية ، قال : هم المتحابون في الله . وقوله إِنَّهُ عَزِيزٌ يقول : إن الله الذي ألف بين قلوب الأوس والخزرج بعد تشتت كلمتهما وتعاديهما وجعلهم لك أنصارا ؛ عزيز لا يقهره شيء ولا يرد قضاءه راد ، ولكنه ينفذ في خلقه حكمه . يقول : فعليه فتوكل ، وبه فثق ، حَكِيمٌ في تدبير خلقه . القول في تأويل قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : يا أيها النبي حسبك الله ، وحسب من اتبعك من المؤمنين الله . يقول لهم جل ثناؤه : ناهضوا عدوكم ، فإن الله كافيكم أمرهم ، ولا يهولنكم كثرة عددهم وقلة عددكم ، فإن الله مؤيدكم بنصره . وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا مؤمل بن إسماعيل ، قال : ثنا سفيان ، عن شوذب بن معاذ ، عن الشعبي في قوله : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قال : حسبك الله وحسب من اتبعك من المؤمنين الله . حدثني أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي ، قال : ثنا عبيد الله بن موسى ، قال : أخبرنا سفيان ، عن شوذب ، عن الشعبي ، في قوله : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قال : حسبك الله وحسب من معك . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا عبيد الله ، عن سفيان ، عن شوذب ، عن عامر ، بنحوه ، إلا أنه قال : حسبك الله وحسب من شهد معك . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، عن ابن زيد ، في قوله : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قال : يا أيها النبي حسبك الله وحسب من اتبعك من المؤمنين ، إن حسبك أنت وهم الله . ف " من " قوله : وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ على هذا التأويل الذي ذكرناه عن الشعبي نصب عطفا على معنى الكاف في قوله : حَسْبُكَ اللَّهُ لا على لفظه ، لأنها في محل خفض في الظاهر وفي محل نصب في المعنى ، لأن معنى الكلام : يكفيك الله ، ويكفي من اتبعك من المؤمنين . وقد قال بعض أهل العربية في " من " : إنها في موضع رفع على العطف على اسم الله ، كأنه قال : حسبك الله ومتبعوك إلى جهاد العدو من المؤمنين دون القاعدين عنك منهم .