محمد بن جرير الطبري
21
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
كفروا أنهم سبقوا إنهم لا يعجزون " وهذا فصيح صحيح إذا أدخلت أنهم في الكلام ، لأن " يحسبن " عاملة في " أنهم " ، وإذا لم يكن في الكلام " أنهم " كانت خالية من اسم تعمل فيه . وللذي قرأ من ذلك من القراء وجهان في كلام العرب وإن كانا بعيدين من فصيح كلامهم : أحدهما أن يكون أريد به : ولا يحسبن الذين كفروا أن سبقوا ، أو أنهم سبقوا ، ثم حذف " أن " و " أنهم " ، كما قال جل ثناؤه : وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً بمعنى : أن يريكم . وقد ينشد في نحو ذلك بيت لذي الرمة : أظن ابن طرثوث عيينة ذاهبا * بعاديتي تكذابه وجعائله بمعنى : أظن ابن طرثوث أن يذهب بعاديتي تكذابه وجعائله . وكذلك قراءة من قرأ ذلك بالياء ، يوجه " سبقوا " إلى " سابقين " على هذا المعنى . والوجه الثاني على أنه أراد إضمار منصوب بي " يحسب " ، كأنه قال : ولا يحسب الذين كفروا أنهم سبقوا ، ثم حذف الهمز وأضمر . وقد وجه بعضهم معنى قوله : إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ إنما ذلكم الشيطان يخوف المؤمن من أوليائه ، وأن ذكر المؤمن مضمر في قوله : " يخوف " ، إذ كان الشيطان عنده لا يخوف أولياءه . وقرأ ذلك بعض أهل الشام : " ولا تحسبن الذين كفروا " بالتاء من " تحسبن " " سبقوا إنهم لا يعجزون " بفتح الألف من " أنهم " ، بمعنى : ولا تحسبن الذين كفروا أنهم لا يعجزون . ولا وجه لهذه القراءة يعقل إلا أن يكون أراد القارئ ب " لا " التي في يعجزون " لا " التي تدخل في الكلام حشوا وصلة . فيكون معنى الكلام حينئذ : ولا تحسبن الذين كفروا سبقوا أنهم يعجزون . ولا وجه لتوجيه حرف في كتاب الله إلى التطويل بغير حجة يجب التسليم لها وله في الصحة مخرج . قال أبو جعفر : والصواب من القراءة في ذلك عندي قراءة من قرأ : " لا تحسبن " بالتاء " الذين كفروا سبقوا إنهم " بكسر الألف من " إنهم لا يعجزون " بمعنى : ولا تحسبن أنت يا محمد الذين جحدوا حجج الله وكذبوا بها سبقونا بأنفسهم ، ففاتونا ، إنهم لا يعجزوننا : أي يفوتوننا بأنفسهم ، ولا يقدرون على الهرب منا . كما : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ يقول : لا يفوتون . القول في تأويل قوله تعالى : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ إعداد القوة للأعداء يقول تعالى ذكره : وأعدوا لهؤلاء الذين كفروا بربهم الذين بينكم وبينهم عهد ، إذا خفتم خيانتهم وغدرهم أيها المؤمنون بالله ورسوله مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ يقول : ما أطقتم أن تعدوه لهم من الآلات التي تكون قوة لكم عليهم من السلاح والخيل . تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ يقول : تخيفون بإعدادكم ذلك عدو الله وعدوكم من المشركين . وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا أبو إدريس ، قال : سمعت أسامة بن زيد ، عن صالح بن كيسان ، عن رجل من جهينة يرفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ إعداد القوة للأعداء " ألا إن الرمي هو القوة ، ألا إن الرمي هو القوة " . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا سعيد بن شرحبيل ، قال : ثنا ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، وعبد الكريم بن الحرث ، عن أبي علي الهمداني ، أنه سمع عقبة بن عامر على المنبر يقول : قال الله : إعداد القوة للأعداء وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ ألا وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر " قال الله : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ " ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي " ثلاثا . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا محبوب وجعفر بن عون ووكيع وأبو أسامة وأبو نعيم ، عن أسامة بن زيد ، عن صالح بن كيسان ، عن رجل ،