محمد بن جرير الطبري
20
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وذلك كالذي كان من بني قريظة ، إذ أجابوا أبا سفيان ومن معه من المشركين إلى مظاهرتهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحاربتهم معه بعد العهد الذي كانوا عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسالمة ، ولن يقاتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم . فكانت إجابتهم إياه إلى ذلك موجبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم خوف الغدر به وبأصحابه منهم ، فكذلك حكم كل قوم أهل موادعة للمؤمنين ظهر لإمام المسلمين منهم من دلائل الغدر مثل الذي ظهر لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من قريظة منها ، فحق على إمام المسلمين أن ينبذ إليهم على سواء ويؤذنهم بالحرب . ومعنى قوله : عَلى سَواءٍ أي حتى يستوي علمك وعلمهم بأن كل فريق منكم حرب لصاحبه لا سلم . وقيل : نزلت الآية في قريظة . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ قال قريظة . وقد قال بعضهم : السواء في هذا الموضع : المهل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي بن سهل ، قال : ثنا الوليد بن مسلم ، قال : إنه مما تبين لنا أن قوله : فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ أنه على مهل . كما حدثنا بكير عن مقاتل بن حيان في قول الله : بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ . وأما أهل العلم بكلام العرب ، فإنهم في معناه مختلفون ، فكان بعضهم يقول : معناه : فانبذ إليهم على عدل ؛ يعني حتى يعتدل علمك وعلمهم بما عليه بعضكما لبعض من المحاربة . واستشهدوا لقولهم ذلك بقول الراجز : واضرب وجوه الغدر الأعداء * حتى يجيبوك إلى السواء يعني إلى العدل . وكان آخرون يقولون : معناه الوسط ، من قول حسان : يا ويح أنصار الرسول ورهطه * بعد المغيب في سواء الملحد بمعنى في وسط اللحد . وكذلك هذه المعاني متقاربة ، لأن العدل وسط لا يعلو فوق الحق ولا يقصر عنه ، وكذلك الوسط عدل ، واستواء الفريقين فيما عليه بعضهم لبعض بعض المهادنة عدل من الفعل ووسط . وأما الذي قاله الوليد بن مسلم من أن معناه المهل ، فما لا أعلم له وجها في كلام العرب . القول في تأويل قوله تعالى : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأ ذلك عامة قراء الحجاز والعراق : " ولا تحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم " بكسر الألف من " إنهم " وبالتاء في " تحسبن " ، بمعنى : ولا تحسبن يا محمد الذين كفروا سبقونا ففاتونا بأنفسهم . ثم ابتدئ الخبر عن قدرة الله عليهم ، فقيل : إن هؤلاء الكفرة لا يعجزون ربهم إذا طلبهم وأراد تعذيبهم وإهلاكهم بأنفسهم فيفوتوه بها . وقرأ ذلك بعض قراء المدينة والكوفة : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بالياء في " يحسبن " ، وكسر الألف من " إنهم " ، وهي قراءة غير حميدة لمعنيين : أحدهما خروجهما من قراءة القراء وشذوذها عنها ، والآخر بعدها من فصيح كلام العرب ؛ وذلك أن " يحسب " يطلب في كلام العرب منصوبا وخبره ، كقوله : عبد الله يحسب أخاك قائما ويقوم وقام ، فقارئ هذه القراءة أصحب " يحسب " خبرا لغير مخبر عنه مذكور ، وإنما كان مراده بطي ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا أنهم لا يعجزوننا ، فلم يفكر في صواب مخرج الكلام وسقمه ، واستعمل في قراءته ذلك كذلك ما ظهر له من مفهوم الكلام . وأحسب أن الذي دعاه إلى ذلك الاعتبار بقراءة عبد الله ، وذلك أنه فيما ذكر في مصحف عبد الله : " ولا يحسبن الذين