محمد بن جرير الطبري

131

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

يوم الجمعة يسألهم عن الأخبار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما فعل ثعلبة ؟ " فقالوا : يا رسول الله اتخذ غنما فضاقت عليه المدينة ، فأخبروه بأمره ؛ فقال : " يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبه يا ويح ثعلبة " قال : وأنزل الله : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً الآية . ونزلت عليه فرائض الصدقة ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين على الصدقة ، رجلا من جهينة ، ورجلا من سليم ، وكتب لهما كيف يأخذان الصدقة من المسلمين ، وقال لهما : " مرا بثعلبة ، وبفلان رجل من بني سليم فخذا صدقاتهما " فخرجا حتى أتيا ثعلبة ، فسألاه الصدقة ، وأقرأه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ما هذه إلا جزية ، ما هذه إلا أخت الجزية ، ما أدري ما هذا انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إلي فانطلقا ، وسمع بهما السلمي رجل من بني سليم ، فنظر إلى خيار أسنان إبله فعزلها للصدقة ثم استقبلهم بها ، فلما رأوها ، قالوا : ما يجب عليك هذا ، وما نريد أن نأخذ هذا منك . قال : بلى فخذوه ، فإن نفسي بذلك طيبة ، وإنما هي لي فأخذوها منه . فلما فرغا من صدقاتهما رجعا ، حتى مرا بثعلبة ، فقال : أروني كتابكما فنظر فيه فقال : ما هذه إلا أخت الجزية ، انطلقا حتى أرى رأيي . فانطلقا حتى أتيا النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما رآهما قال : " يا ويح ثعلبة " قبل أن يكلمهما ، ودعا للسلمي رجل من بني سليم بالبركة ، فأخبراه بالذي صنع ثعلبة ، والذي صنع السلمي رجل من بني سليم ، فأنزل الله تبارك وتعالى فيه : وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ إلى قوله : وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ وعند رسول الله رجل من أقارب ثعلبة ، فسمع ذلك ، فخرج حتى أتاه ، فقال : ويحك يا ثعلبة ، قد أنزل الله فيك كذا وكذا فخرج ثعلبة حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فسأله أن يقبل منه صدقته . فقال : " إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك " فجعل يحثي على رأسه التراب ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هذا عملك ، قد أمرتك فلم تطعني " . فلما أبي أن يقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، رجع إلى منزله ، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقبل منه شيئا . ثم أتى أبا بكر حين استخلف ، فقال : قد علمت منزلتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضعي من الأنصار ، فأقبل صدقتي فقال أبو بكر : لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أقبلها ؟ فقبض أبو بكر ولم يقبضها . فلما ولي عمر أتاه فقال : يا أمير المؤمنين أقبل صدقتي فقال : لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا أبو بكر ، وأنا لا أقبلها منك فقبض ولم يقبلها . ثم ولي عثمان رحمة الله عليه ، فأتاه فسأله أن يقبل صدقته ، فقال : لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا أبو بكر ولا عمر رضوان الله عليهما وأنا لا أقبلها منك فلم يقبلها منه ، وهلك ثعلبة في خلافة عثمان رحمة الله عليه . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ الآية : ذكر لنا أن رجلا من الأنصار أتى على مجلس من الأنصار ، فقال لئن آتاه مالا ، ليؤدين إلى كل ذي حق حقه فآتاه الله مالا ، فصنع فيه ما تسمعون . قال : فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ إلى قوله : وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم حدث أن موسى عليه الصلاة والسلام لما جاء بالتوراة إلى بني إسرائيل قالت بنو إسرائيل : إن التوراة كثيرة ، وإنا لا نفرغ لها ، فسل لنا ربك جماعا من الأمر نحافظ عليه ونتفرغ فيه لمعايشنا قال : يا قوم مهلا مهلا ، هذا كتاب الله ، ونور الله ، وعصمة الله . قال : فأعادوا عليه ، فأعاد عليهم ، قالها ثلاثا . قال : فأوحى الله إلى موسى : ما يقول عبادي ؟ قال : يا رب يقولون : كيت وكيت . قال : فإني آمرهم بثلاث إن حافظوا عليهن دخلوا بهن الجنة : أن ينتهوا إلى قسمة الميراث فلا يظلموا