محمد بن جرير الطبري

130

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ قال : قال الجلاس : قد استثنى الله لي التوبة ، فأنا أتوب فقبل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم . حدثني المثني ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا أبو معاوية ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه : فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ الآية ، فقال الجلاس : يا رسول الله إني أرى الله قد استثنى لي التوبة ، فأنا أتوب فتاب ، فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم منه . القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ . . . بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا . . . بِما كانُوا يَكْذِبُونَ يقول تعالى ذكره : ومن هؤلاء المنافقين الذين وصفت لك يا محمد صفتهم مَنْ عاهَدَ اللَّهَ العهد يقول : أعطى الله عهدا ، لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ يقول : لئن أعطانا الله من فضله ، ورزقنا مالا ، ووسع علينا من عنده ؛ لَنَصَّدَّقَنَّ يقول : لنخرجن الصدقة من ذلك المال الذي رزقنا ربنا ، وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ يقول : ولنعملن فيها بعمل أهل الصلاح بأموالهم من صلة الرحم به وإنفاقه في سبيل الله . يقول الله تبارك وتعالى : فرزقهم الله وأتاهم من فضله . فَلَمَّا آتاهُمْ الله . مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ بفضل الله الذي آتاهم ، فلم يصدقوا منه ولم يصلوا منه قرابة ولم ينفقوا منه في حق الله . وَتَوَلَّوْا يقول : وأدبر عن عهدهم الذي عاهدوه الله . وَهُمْ مُعْرِضُونَ عنه . فَأَعْقَبَهُمْ الله . نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ ببخلهم بحق الله الذي فرضه عليهم فيما آتاهم من فضله ، وإخلافهم الوعد الذي وعدو الله ، ونقضهم عهده في قلوبهم . إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ من الصدقة والنفقة في سبيله . وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ في قيلهم ، وحرمهم التوبة منه ؛ لأنه جل ثناؤه اشترط في نفاقهم أنه أعقبهموه إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ وذلك يوم مماتهم وخروجهم من الدنيا . واختلف أهل التأويل في المعني بهذه الآية ، فقال بعضهم : عني بها رجل يقال له ثعلبة بن حاطب من الأنصار . ذكر من قال ذلك : محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس قوله : وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ الآية ، وذلك أن رجلا يقال له ثعلبة بن حاطب من الأنصار ، أتى مجلسا فأشهدهم ، فقال : لئن آتاني الله من فضله ، آتيت منه كل ذي حق حقه ، وتصدقت منه ، ووصلت منه القرابة فابتلاه الله فآتاه من فضله ، فأخلف الله ما وعده ، وأغضب الله بما أخلف ما وعده ، فقص الله شأنه في القرآن : وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ الآية ، إلى قوله : يَكْذِبُونَ حدثني المثني ، قال : ثنا هشام بن عمار ، قال : ثنا محمد بن شعيب ، قال : ثنا معاذ بن رفاعة السلمي ، عن أبي عبد الملك علي بن يزيد الإلهاني ، أنه أخبره عن القاسم بن عبد الرحمن ، أنه أخبره عن أبي أمامة الباهلي ، عن ثعلبة بن حاطب الأنصاري ، أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ادع الله أن يرزقني مالا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ويحك يا ثعلبة ، قليل تؤدي شكره ، خير من كثير لا تطيقه " قال : ثم قال مرة أخرى ، فقال : " أما ترضى أن تكون مثل نبي الله ؟ فوالذي نفسي بيده لو شئت أن تسير معي الجبال ذهبا وفضة لسارت " قال : والذي بعثك بالحق ، لئن دعوت الله فرزقني مالآ لأعطين كل ذي حق حقه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم ارزق ثعلبه مالا " . قال : فاتخذ غنما ، فنمت كما ينمو الدود ، فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها ، فنزل واديا من أوديتها ، حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة ، ويترك ما سواهما . ثم نمت وكثر ، فتنحى حتى ترك الصلوات إلا الجمعة ، وهي تنمو كما ينمو الدود ، حتى ترك الجمعة . فطفق يتلقى الركبان