محمد بن جرير الطبري

9

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

بكسر العين من العدوة ، وكذلك ينشد بيت أوس بن حجر : وفارس لو تحل الخيل عدوته * ولوا سراعا وما هموا بإقبال القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا يعنى تعالى ذكره : ولو كان اجتماعكم في الموضع الذي اجتمعتم فيه أنتم أيها المؤمنون وعدوكم من المشركين عن ميعاد منكم ومنهم ، لاختلفتم في الميعاد لكثرة عدد عدوكم وقلة عددكم ؛ ولكن الله جمعكم على غير ميعاد بينكم وبينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا . وذلك القضاء من الله كان نصره أولياءه من المؤمنين بالله ورسوله ، وهلاك أعدائه وأعدائهم ببدر بالقتل والأسر ؛ كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ ولو كان ذلك عن ميعاد منكم ومنهم ثم بلغكم كثرة عددهم وقلة عددكم ما لقيتموهم . وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا أي ليقضي الله ما أراد بقدرته من إعزاز الإسلام وأهله ، وإذلال الشرك وأهله ، عن غير بلاء منكم ؛ فعل ما أراد من ذلك بلطفه . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : أخبرني يونس عن ابن شهاب ، قال : أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك ، أن عبد الله بن كعب ، قال : سمعت كعب بن مالك يقول في غزوة بدر : إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يريدون عير قريش ، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد . حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، عن ابن عون ، عن عمير بن إسحاق ، قال : أقبل أبو سفيان في الركب من الشام ، وخرج أبو جهل ليمنعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فالتقوا ببدر ، ولا يشعر هؤلاء بهؤلاء ولا هؤلاء بهؤلاء ، حتى التقت السقاة ، قال : ونظر الناس بعضهم لبعض . القول في تأويل قول تعالى : لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ يقول تعالى ذكره : ولكن الله جمعهم هنا لك ليقضي أمرا كان مفعولا ، لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ . وهذه اللام في قوله : لِيَهْلِكَ مكرره على اللام في قوله : لِيَقْضِيَ كأنه قال : ولكن ليهلك من هلك عن بينة ، جمعكم . ويعني بقوله : لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ليموت من مات من خلقه عن حجة لله قد أثبتت له ، وقطعت عذره ، وعبرة قد عاينها ورآها . وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ يقول : وليعيش من عاش منهم عن حجة لله قد أثبتت له وظهرت لعينه ، فعلمها جمعنا بينكم وبين عدوكم هنا لك . وقال ابن إسحاق في ذلك بما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ لما رأى من الآيات والعبر ، ويؤمن من آمن على مثل ذلك . وأما قوله : وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ فإن معناه : وإن الله أيها المؤمنون لسميع لقولكم وقول غيركم حين يري الله نبيه في منامه ، ويريكم عدوكم في أعينكم قليلا وهم كثير ، ويراكم عدوكم في أعينهم قليلا ، عليم بما تضمره نفوسكم وتنطوي عليه قلوبكم ، حينئذ وفي كل حال . يقول جل ثناؤه لهم ولعباده : واتقوا ربكم أيها الناس في منطقكم أن تنطقوا بغير حق ، وفي قلوبكم أن تعتقدوا فيها غير الرشد ، فإن الله لا يخفى عليه خافية من ظاهر أو باطن . القول في تأويل قوله تعالى : إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ يقول تعالى ذكره : وإن الله يا محمد سميع لما يقول أصحابك ، عليم بما يضمرونه ، إذ يريك الله عدوك وعدوهم فِي مَنامِكَ قَلِيلًا يقول : يريكهم في نومك قليلا فتخبرهم بذلك ، حتى قويت قلوبهم واجترءوا على حرب عدوهم . ولو أراك ربك عدوك وعدوهم