محمد بن جرير الطبري
10
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
كثيرا لفشل أصحابك ، فجبنوا وخافوا ، ولم يقدروا على حرب القوم ، ولتنازعوا في ذلك ؛ ولكن الله سلمهم من ذلك بما أراك في منامك من الرؤيا ، إنه عليم بما تخفيه الصدور ، لا يخفى عليه شيء مما تضمره القلوب . وقد زعم بعضهم أن معنى قوله : إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا أي في عينك التي تنام بها ، فصير المنام هو العين ، كأنه أراد : إذ يريكهم الله في عينك قليلا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا قال : أراه الله إياهم في منامه قليلا ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بذلك ، فكان تثبيتا لهم . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، بنحوه . وقال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا الآية ؛ فكان أول ما أراه من ذلك نعمة من نعمه عليهم ، شجعهم بها على عدوهم ، وكفاهم بها ما تخوف عليهم من ضعفهم لعلمه بما فيهم . واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ فقال بعضهم : معناه : ولكن الله سلم للمؤمنين أمرهم حتى أظهرهم على عدوهم . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله : وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ يقول : سلم الله لهم أمرهم حتى أظهرهم على عدوهم . وقال آخرون : بل معنى ذلك : ولكن الله سلم أمره فيهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، قال : ثنا معمر ، عن قتادة : وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ قال : سلم أمره فيهم . وأولى القولين في ذلك بالصواب عندي ما قاله ابن عباس ، وهو أن الله سلم القوم بما أرى نبيه صلى الله عليه وسلم في منامه من الفشل والتنازع ، حتى قويت قلوبهم واجترءوا على حرب عدوهم ؛ وذلك أن قوله : وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ عقيب قوله : وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ فالذي هو أولى بالخبر عنه ، أنه سلمهم منه جل ثناؤه ما كان مخوفا منه لو لم ير نبيه صلى الله عليه وسلم من قلة القوم في منامه . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ . . . تُرْجَعُ الْأُمُورُ يقول تعالى ذكره : وإن الله لسميع عليم إذ يري الله نبيه في منامه المشركين قليلا ، وإذ يريهم الله المؤمنين إذ لقوهم في أعينهم قليلا ، وهم كثير عددهم ، ويقلل المؤمنين في أعينهم ، ليتركوا الاستعداد لهم فيهون على المؤمنين شوكتهم . كما : حدثني ابن بزيع البغدادي ، قال : ثنا إسحاق بن منصور ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله قال : لقد قللوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لرجل إلى جنبي : تراهم سبعين ؟ قال أراهم مئة . قال : فأسرنا رجلا منهم ، فقلنا : كم هم ؟ . قال : كنا ألفا . حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله بنحوه . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله : إِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا قال ابن مسعود : قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل : أتراهم يكونون مئة ؟ حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : قال ناس من المشركين : إن العير قد انصرفت فارجعوا فقال أبو جهل : الآن إذ