محمد بن جرير الطبري

38

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

الجبل خر صعقا . واختلفت القراء في قراءة قوله : دَكًّا فقرأته عامة قراء أهل المدينة والبصرة : دَكًّا مقصورا بالتنوين ، بمعنى : دك الله الجبل دكا ؛ أي فتته ، واعتبارا بقول الله : كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ، وقوله : وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً واستشهد بعضهم على ذلك بقول حميد : يدك أركان الجبال هزمة * تخطر بالبيض الرقاق بهمه وقرأته عامة قراء الكوفيين : " جعله دكاء " بالمد وترك الجر والتنوين ، مثل حمراء وسوداء . وكان ممن يقرؤه كذلك عكرمة ، ويقول فيه ما : حدثني به أحمد بن يوسف ، قال : ثنا القاسم بن سلام ، قال : ثنا عباد بن عباد ، عن يزيد بن حازم ، عن عكرمة ، قال : دكاء من الدكاوات . وقال : لمانظر الله تبارك وتعالى إلى الجبل صار صخره ترابا . واختلف أهل العربية في معناه إذا قرئ كذلك . فقال بعض نحويي البصرة : العرب تقول : ناقة دكاء : ليس لها سنام ، وقال : الجبل مذكر ، فلا يشبه أن يكون منه إلا أن يكون جعله مثل دكاء حذف مثل وأجراه مجرى : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ وكان بعض نحويي الكوفة يقول : معنى ذلك : جعل الجبل أرضا دكاء ، ثم حذفت الأرض وأقيمت الدكاء مقامها إذ أدت عنها . وأولى القراءتين في ذلك بالصواب عندي قراءة من قرأ : " جعله دكاء " بالمد ، وترك الجر لدلالة الخبر الذي رويناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على صحته ؛ وذلك أنه روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " فساخ الجبل " ولم يقل : فتفتت ، ولا تحول ترابا . ولا شك أنه إذا ساخ فذهب ظهر وجه الأرض ، فصار بمنزلة الناقة التي قد ذهب سنامها ، وصارت دكاء بلا سنام . وأما إذا دك بعضه فإنما يكسر بعضه بعضا ويتفتت ولا يسوخ . وأما الدكاء فإنها خلف من الأرض ، فلذلك أنثت على ما قد بينت . فمعنى الكلام إذن : فلما تجلى ربه للجبل ساخ ، فجعل مكانه أرضا دكاء . وقد بينا معنى الصعق بشواهده فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . القول في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ يقول تعالى ذكره : فلما ثاب إلى موسى عليه السلام فهمه من غشيته ، وذلك هو الإفاقة من الصعقة التي خر لها موسى صلى الله عليه وسلم ، قال : سُبْحانَكَ تنزيها لك يا رب وتبرئة أن يراك أحد في الدنيا ثم يعيش . تُبْتُ إِلَيْكَ من مسألتي إياك ما سألتك من الرؤية . وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ بك من قومي أن لا يراك في الدنيا أحد إلا هلك . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا عبد الله بن موسى ، عن أبي جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، في قوله : تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ قال : كان قبله مؤمنون ، ولكن يقول : أنا أول من آمن بأنه لا يراك أحد من خلقك إلى يوم القيامة . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع ، قال : لما رأى موسى ذلك وأفاق ، عرف أنه قد سأل أمرا لا ينبغي له ، فقال : سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ قال أبو العالية : عنى أني أول من آمن بك أنه لن يراك أحد قبل يوم القيامة . حدثني عبد الكريم بن الهيثم ، قال : ثنا إبراهيم بن بشار ، قال : قال سفيان : قال أبو سعد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فمرت به الملائكة وقد صعق ، فقالت : يا ابن النساء الحيض لقد سألت ربك أمرا عظيما . فلما أفاق قال : سبحانك لا إله إلا أنت ، تبت إليك ، وأنا أول المؤمنين قال : أنا أول من آمن أنه لا يراك أحد من خلقك ، يعني في الدنيا . حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : قالَ