محمد بن جرير الطبري
12
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وقال فرعون للملإ : فَما ذا تَأْمُرُونَ يقول : فأي شيء تأمرون أن نفعل في أمره ، بأي شيء تشيرون فيه . وقيل : فَما ذا تَأْمُرُونَ والخبر بذلك عن فرعون ، ولم يذكر فرعون ، وقلما يجيء مثل ذلك في الكلام ، وذلك نظير قوله : قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ فقيل ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ من قول يوسف ، ولم يذكر يوسف . ومن ذلك أن يقول : قلت لزيد : قم فإني قائم ، وهو يريد : فقال زيد : إني قائم . القول في تأويل قوله تعالى : قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ يقول تعالى ذكره : قال الملأ من قوم فرعون لفرعون : أرجئه : أي أخره . وقال بعضهم : معناه : احبس . والإرجاء في كلام العرب : التأخير ، يقال منه : أرجيت هذا الأمر وأرجأته إذا أجرته ، ومنه قول الله تعالى : تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ تؤخر ، فالهمز من كلام بعض قبائل قيس يقولون : أرجأت هذا الأمر ، وترك الهمز من لغة تميم وأسد يقولون : أرجيته . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة وبعض العراقيين : " أرجه " بغير الهمز وبجر إلهاء . وقرأه بعض قراء الكوفيين : أَرْجِهْ بترك الهمز وتسكين الهاء على لغة من يقف على الهاء في المكني في الوصل إذا تحرك ما قبلها ، كما قال الراجز : ألحي علي الدهر رجلا ويدا * فقسمه لانصلح إلا أفسدا فيصلح اليوم ويفسده غدا وقد يفعلون مثل هذا بهاء التأنيث فيقولون : هذه طلحه قد أقبلت ، كما قال الراجز : لما رأى أن لا دعه ولا شبع * مال إلى أرطأة حلف فاضطجع وقراه بعض البصريين : " أرجئه " بالهمز وضم الهاء ، على لغة من ذكرت من قيس . وأولى القراءات في ذلك بالصواب أشهرها وأفصحها في كلام العرب ، وذلك ترك الهمز وجر الهاء ، وإن كانت الأخرى جائزة ، غير أن الذي اخترنا أفصح اللغات وأكثرها على ألسن فصحاء العرب . وأختلف أهل التأويل في تأويل قوله : أَرْجِهْ فقال بعضهم : معناه : أخره . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، قال : قال ابن جريج : أخبرني عطاء الخراساني عن ابن عباس ، قوله : أَرْجِهْ وَأَخاهُ قال : أخره . وقال آخرون . معناه احبسه . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : أَرْجِهْ وَأَخاهُ أي أحبسه وأخاه . وأما قوله : وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ يقول : من يحشر السحرة فيجمعهم إليك . وقيل : هم الشرط . ذكر من قال ذلك : حدثني عباس بن أبي طالب ، قال : ثنا مسلم بن إبراهيم ، قال : ثنا الحكم بن ظهير ، عن السدي ، عن ابن عباس : وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ قال : الشرط . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر ، عن أبيه إبراهيم بن مهاجر ، عن مجاهد : وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ قال : الشرط . حدثنا ابن وكيع قال : ثنا حميد ، عن قيس ، عن السدي : وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ قال : الشرط . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو نعيم ، قال : ثنا إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر ، عن أبيه ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، في قوله : فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ