محمد بن جرير الطبري

84

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

العابدين الا احدى خلتين إحداهما أفضل من صاحبتها اما أمر ودعاء إلى الحق أو الاعتزال فلا تشارك أهل الباطل في عملهم وتؤدى الفرائض فيما بينك وبين ربك وتحب للّه وتبغض للّه ولا تشارك أحدا في اثم قال وقد أنزل في ذلك آية محكمة قل أغير اللّه أبغى ربا وهو رب كل شئ إلى قوله فيه تختلفون وفي ذلك قال وما تفرق الذين أوتوا الكتاب الا من بعد ما جاءتهم البينة يقال من الوزر وزر يوزر فهو وزير ووزر يوزر فهو موزور القول في تأويل قوله ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم قل لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان كل عامل منا ومنكم فله ثواب عمله وعليه وزره فاعملوا ما أنتم عاملوه ثم إلى ربكم أيها الناس مرجعكم يقول ثم اليه مصيركم ومنقلبكم فينبئكم بما كنتم فيه في الدنيا تختلفون من الأديان والملل إذ كان بعضكم يدين باليهودية وبعض بالنصرانية وبعض بالمجوسية وبعض بعبادة الأصنام وادعاء الشركاء مع اللّه والأنداد ثم يجازى جميعكم بما كان يعمل في الدنيا من خير أو شر فتعلموا حينئذ من المسحن منا والمسئ القول في تأويل قوله وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم وأمته واللّه الذي جعلكم أيها الناس خلائف الأرض بأن أهلك من كان قبلكم من القرون والأمم الخالية واستخلفكم فجعلكم خلائف منهم في الأرض تخلفونهم فيها وتعمرونها بعدهم والخلائف جمع خليفة كما الوصائف جمع وصيفة وهي من قول القائل خلف فلان فلانا في داره يخلفه خلافة فهو خليفة فيها كما قال الشماخ تصيبهم وتخطينى المنايا * وأخلف في ربوع عن ربوع وذلك كما ( حدثني ) الحسين قال ثنا أحمد بن مفضل قال ثنا أسباط عن السدى وهو الذي جعلكم خلائف الأرض قال أما خلائف الأرض فأهلك القرون واستخلفنا فيها بعدهم وأما قوله ورفع بعضكم فوق بعض درجات فإنه يقول وخالف بين أحوالكم فجعل بعضكم فوق بعض بأن رفع هذا على هذا بما بسط لهذا من الرزق ففضله بما أعطاه من المال والغنى على هذا الفقير فيما خوله من أسباب الدنيا وهذا على هذا بما أعطاه من الأيد والقوة على هذا الضعيف الواهن القوى فخالف بينهم بأن رفع من درجة هذا على درجة هذا وخفض من درجة هذا عن درجة هذا وذلك كالذي ( حدثني ) محمد بن الحسين قال ثنا أحمد بن المفضل قال ثنا أسباط عن السدى ورفع بعضكم فوق بعض درجات يقول في الرزق وأما قوله ليبلوكم فيما آتاكم فإنه يعنى ليختبركم فيما خولكم من فضله ومنحكم من رزقه فيعلم المطيع له منكم فيما أمره به ونهاه عنه والعاصي ومن المؤدى مما آتاه الحق الذي أمره بأدائه منه والمفرط في أدائه القول في تأويل قوله إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم ان ربك يا محمد لسريع العقاب لمن أسخطه بارتكابه معاصيه وخلافه أمره فيما أمره به