محمد بن جرير الطبري

82

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

عشر نسوة « 1 » فلانه أريد بالأمثال مقامها فقيل عشر أمثالها فأخرج العشر مخرج عدد الآيات والمثل مذكر لا مؤنث ولكنها لما وضعت موضع الآيات وكان المثل يقع للمذكر والمؤنث فجعلت خلفا منها فعل بها ما ذكرت ومن قال عندي عشر أمثالها لم يقل عندي عشر صالحات لان الصالحات فعل لا يعدّ وانما تعدّ الأسماء والمثل اسم ولذلك جاز العدد به وقد ذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرأ ذلك فله عشر بالتنوين أمثالها بالرفع وذلك وجه صحيح في العربية غير أن القراء في الأمصار على خلافها فلا نستجيز خلافها فيما هي عليه مجتمعة القول في تأويل قوله قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم قل يا محمد لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنام انني هداني ربى إلى صراط مستقيم يقول قل لهم انني أرشدنى ربى إلى الطريق القويم هو دين اللّه الذي ابتعثه به وذلك الحنيفية المسلمة فوفقنى له دينا قيما يقول مستقيما ملة إبراهيم يقول دين إبراهيم حنيفا يقول مستقيما وما كان من المشركين يقول وما كان من المشركين باللّه يعنى إبراهيم صلوات اللّه عليه لأنه لم يكن ممن يعبد الأصنام واختلفت القراء في قراءة قوله دينا قيما فقرأ ذلك عامة قراء المدينة وبعض البصريين دينا قيما بفتح القاف وتشديد الياء الحاقا منهم ذلك بقول اللّه ذلك الدين القيم وبقوله ذلك دين القيمة وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين دينا قيما بكسر القاف وفتح الياء وتخفيفها وقالوا القيم والقيم بمعنى واحد وهما لغتان معناهما الدين المستقيم والصواب من القول في ذلك عندي انهما قراءتان مشهورتان في قراءة الأمصار منفقتا المعنى فبأيتهما قرأ القارئ فهو للصواب مصيب غير أن فتح القاف وتشديد الياء أعجب الىّ لأنه أفصح اللغتين وأشهرهما ونصب قوله دينا على المصدر من معنى قوله انني هداني ربى إلى صراط مستقيم وذلك ان المعنى هداني ربى إلى دين قويم فاهتديت له دينا قيما فالدين منصوب من المحذوف الذي هو اهتديت الذي ناب عنه قوله انني هداني ربى إلى صراط مستقيم وقال بعض نحويى البصرة انما نصب ذلك لأنه لما قال هداني ربى إلى صراط مستقيم قد أخبر أنه عرف شيئا فقال دينا قيما كأنه قال عرفت دينا قيما ملة إبراهيم وأما معنى الحنيف فقد بينته في مكانه في سورة البقرة بشواهده بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع القول في تأويل قوله قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم قل يا محمد لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنام الذين يسألونك أن تتبع أهواءهم على الباطل من عبادة الآلهة والأوثان ان صلاتي ونسكي يقول وذبحى ومحياي يقول وحياتي ومماتي يقول ووفاتي للّه رب العالمين يعنى أن ذلك كله له خالصا دون ما أشركتم به أيها المشركون من الأوثان لا شريك له في شئ من ذلك من خلقه ولا لشئ منهم فيه نصيب لأنه لا ينبغي أن يكون

--> ( 1 ) لا يخفى ما فيه ولعل الأصل ولأنه أريد بالأمثال الآيات وأقيمت الأمثال مقامها قيل إلخ تأمل