محمد بن جرير الطبري
58
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وقال : كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ثم قال : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا فإنهم قالوا : عبادتنا الآلهة تقربنا إلى الله زلفى ، فأخبرهم الله أنها لا تقربهم ، وقوله : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا يقول الله سبحانه : لو شئت لجمعتهم على الهدى أجمعين . حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نحيح ، عن مجاهد : وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ قال : قول قريش ، يعني : أن الله حرم هذه البحيرة والسائبة . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ قول قريش بغير يقين : أن الله حرم هذه البحيرة والسائبة . فإن قال قائل : وما برهانك على أن الله تعالى إنما كذب من قيل هؤلاء المشركين قولهم : رضي الله منا عبادة الأوثان ، وأراد منا تحريم ما حرمنا من الحروث والأنعام ، دون أن يكون تكذيبه إياهم كان على قولهم : لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ وعلى وصفهم إياه بأنه قد شاء شركهم وشرك آبائهم ، وتحريمهم ما كانوا يحرمون ؟ قيل : له الدلالة على ذلك . قوله : كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فأخبر جل ثناؤه عنهم أنهم سلكوا في تكذيبهم نبيهم محمدا صلى الله عليه وسلم فيما آتاهم به من عند أنه من النهي عن عبادة شيء غير الله تعالى ، وتحريم غير ما حرم الله في كتابه وعلى لسان رسوله مسلك أسلافهم من الأمم الخالية المكذبة الله ورسوله . والتكذيب منهم إنما كان لمكذب ، ولو كان ذلك خبرا من الله عن كذبهم في قيلهم : لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا لقال : " كذلك كذب الذين من قبلهم " بتخفيف الذال ، وكان ينسبهم في قيلهم ذلك إلى الكذب على الله لا إلى التكذيب . مع علل كثيرة يطول بذكرها الكتاب ، وفيما ذكرنا كفاية لمن وفق لفهمه . القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنام المحرمين ما هم له محرمون من الحروث والأنعام ، القائلين : لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ ولكن رضي منا ما نحن عليه من الشرك وتحريم ما نحرم : هل عندكم بدعواكم ما تدعون على الله من رضاه بإشراككم في عبادته ما تشركون وتحريمكم من أموالكم ما تحرمون علم يقين من خبر من يقطع خبره العذر ، أو حجة توجب لنا اليقين من العلم فتخرجوه لنا ؟ يقول : فتظهروا ذلك لنا وتبينوه ، كما بينا لكم مواضع خطأ قولكم وفعلكم ، وتناقض ذلك واستحالته في المعقول والمسموع . إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ يقول له : قل لهم : إن تقولون ما تقولون أيها المشركون وتعبدون من الأوثان والأصنام ما تعبدون وتحرمون من الحروث والأنعام ما تحرمون إلا ظنا وحسبانا أنه حق ، وأنكم على حق وهو باطل ، وأنتم على باطل . وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ يقول : وإن أنتم ، وما أنتم في ذلك كله إلا تخرصون ، يقول : إلا تتقولون الباطل على الله ظنا بغير يقين علم ولا برهان واضح . القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ