محمد بن جرير الطبري
59
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنام ، القائلين على ربهم الكذب في تحريمهم ما حرموا من الحروث والأنعام ، إن عجزوا عن إقامة الحجة عند قيلك لهم : هل عندكم من علم بما تدعون على ربكم فتخرجوه لنا ، وعن إخراج علم ذلك لك وإظهاره ، وهم لا شك عن ذلك عجزة ، وعن إظهاره مقصرون ، لأنه باطل لا حقيقة له . فَلِلَّهِ الذي حرم عليكم أن تشركوا به شيئا ، وأن تتبعوا خطوات الشيطان في أموالكم من الحروث والأنعام ، الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ دونكم أيها المشركون . ويعني بالبالغة : أنها تبلغ مراده في ثبوتها على من احتج بها عليه من خلقه ، وقطع عذره إذا انتهت إليه فيما جعلت حجة فيه . فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ يقول : فلو شاء ربكم لوفقكم أجمعين للإجماع على إفراده بالعبادة والبراءة من الأنداد والآلهة والدينونة ، بتحريم ما حرم الله وتحليل ما حلله الله ، وترك اتباع خطوات الشيطان ، وغير ذلك من طاعاته . ولكنه لم يشأ ذلك ، فخالف بين خلقه فيما شاء منهم ، فمنهم كافر ومنهم مؤمن . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع بن أنس ، قال : لا حجة لأحد عصى الله ، ولكن لله الحجة البالغة على عباده . وقال : فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ قال : لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ . القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد لهؤلاء المفترين على ربهم من عبدة الأوثان ، الزاعمين أن الله حرم عليهم ما هم محرموه من حروثهم وأنعامهم : هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ يقول : هاتوا شهداءكم الذين يشهدون على الله أنه حرم عليكم ما تزعمون أنه حرمه عليكم . وأهل العالية من تهامة توحد " هلم " في الواحد والاثنين والجمع ، وتذكر في المؤنث والمذكر ، فتقول للواحد : هلم يا فلان وللاثنين والجمع كذلك ، وللأنثى مثله ؛ ومنه قول الأعشى : وكان دعا قومه دعوة * هلم إلى أمركم قد صرم ينشد " هلم " و " هلموا " . وأما أهل السافلة من نجد فإنهم يوحدون للواحد ويثنون للإثنين ويجمعون للجميع ، فيقال للواحد من الرجال : هلم ، وللواحدة من النساء : هلمي ، وللإثنين : هلما ، وللجماعة من الرجال هلموا ، وللنساء : هلمن . قال الله لنبيه : فَإِنْ شَهِدُوا يقول : يا محمد ، فإن جاءوك بشهداء يشهدون أن الله حرم ما يزعمون أن الله حرمه عليهم . فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ فإنهم كذبة وشهود زور في شهادتهم بما شهدوا به من ذلك على الله . وخاطب بذلك جل ثناؤه نبيه صلى الله عليه وسلم ، والمراد به أصحابه والمؤمنون به . وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يقول : ولا تتابعهم على ما هم عليه من التكذيب بوحي الله وتنزيله في تحريم ما حرم وتحليل ما أحل لهم ، ولكن اتبع ما أوحي إليك من كتاب ربك الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يقول : ولا تتبع أهواء الذين لا يؤمنون بالآخرة ، فتكذب بما هم به مكذبون من إحياء الله خلقه بعد مماتهم ونشره إياهم بعد فنائهم . وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ يقول : وهم مع تكذيبهم بالبعث بعد الممات وجحودهم قيام الساعة