محمد بن جرير الطبري

48

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

والجزورة . وكذلك الفرش إنما هو صفة لما لطف فقرب من الأرض جسمه ، فيقال له الفرش . وأحسبها سميت بذلك تمثيلا لها في استواء أسنانها ولطفها بالفرش من الأرض ، وهي الأرض المستوية التي يتوطؤها الناس . فأما الحمولة بضم الحاء : فإنها الأحمال ، وهي الحمول أيضا بضم الحاء . القول في تأويل قوله تعالى : كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ يقول جل ثناؤه : كلوا ما رزقكم الله أيها المؤمنون ، فأحل لكم ثمرات حروثكم وغروسكم ولحوم أنعامكم ، إذ حرم بعض ذلك على أنفسهم المشركون بالله ، فجعلوا لله ما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ، وللشيطان مثله ، فقالوا : هذا لله بزعمهم ، وهذا لشركائنا . وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ كما اتبعها باحرو البحيرة ومسيبو السوائب ، فتحرموا على أنفسكم من طيب رزق الله الذي رزقكم ما حرموه ، فتطيعوا بذلك الشيطان وتعصوا به الرحمن . كما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ لا تتبعوا طاعته هي ذنوب لكم ، وهي طاعة للخبيث . إن الشيطان لكم عدو يبغي هلاككم وصدكم عن سبيل ربكم ، مُبِينٌ قد أبان لكم عدوانه بمناصبته أباكم بالعداوة ، حتى أخرجه من الجنة بكيده وخدعه ، وحسدا منه له وبغيا عليه . القول في تأويل قوله تعالى : ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وهذا تقريع من الله جل ثناؤه العادلين به الأوثان من عبدة الأصنام الذي بحروا البحائر وسيبوا السوائب ووصلوا الوصائل ، وتعليم منه نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به ، الحجة عليهم في تحريمهم ما حرموا من ذلك ، فقال للمؤمنين به وبرسوله : وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ ومن الأنعام أنشأ حمولة وفرشا . ثم بين جل ثناؤه الحمولة والفرش ، فقال : ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ وإنما نصب الثمانية ، لأنها ترجمة عن الحمولة والفرش وبدل منها ؛ كأن معنى الكلام : ومن الأنعام أنشأ ثمانية أزواج ؛ فلما قدم قبل الثمانية الحمولة والفرش بين ذلك بعد ، فقال : ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ على ذلك المعنى مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ فذلك أربعة ، لأن كل واحد من الأنثيين من الضأن زوج ، فالأنثى منه زوج الذكر ، والذكر منه زوج الأنثى ، وكذلك ذلك من المعز ومن سائر الحيوان ؛ فلذلك قال جل ثناؤه : ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ كما قال : وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لأن الذكر زوج الأنثى والأنثى زوج الذكر ، فهما وإن كانا اثنين فهما زوجان ، كما قال جل ثناؤه : وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها وكما قال : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ . وكما : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبو معاوية ، عن جويبر ، عن الضحاك : مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ذكر وأنثى ، وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ ذكر وأنثى ، وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ ذكر وأنثى . ويقال للإثنين : هما زوج كما قال لبيد : من كل محفوف يظل عصيه * زوج عليه كلة وقرامها ثم قال لهم : كلوا ما رزقكم الله من هذه الثمار واللحوم ، واركبوا هذه الحمولة أيها المؤمنون ، فلا تتبعوا خطوات الشيطان في تحريم ما حرم هؤلاء الجهلة بغير أمري إياهم بذلك . قل يا محمد لهؤلاء الذين حرموا ما حرموا من الحرث والأنعام ، اتباعا للشيطان من عبدة الأوثان والأصنام الذين زعموا