محمد بن جرير الطبري
49
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
أن الله حرم عليهم ما هم محرمون من ذلك : آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ ربكم أيها الكذبة على الله من الضأن والمعز ، فإنهم إن ادعوا ذلك وأقروا به ، كذبوا أنفسهم وأبانوا جهلهم ، لأنهم إذا قالوا : يحرم الذكرين من ذلك ، أوجبوا تحريم كل ذكرين من ولد الضأن والمعز ، وهم يستمتعون بلحوم الذكران منها وظهورها ، وفي ذلك فساد دعواهم وتكذيب قولهم . أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ فإنهم إن قالوا : حرم ربنا الأنثيين ، أوجبوا تحريم لحوم كل أنثى من ولد الضأن والمعز على أنفسهم وظهورها ، وفي ذلك أيضا تكذيب لهم ، ودحض دعواهم أن ربهم حرم ذلك عليهم ، إذ كانوا يستمتعون بلحوم بعض ذلك وظهوره . أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ يقول : أم حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ، يعني أرحام أنثى الضأن وأنثى المعز ؛ فلذلك قال : أرحام الأنثيين . وفي ذلك أيضا لو أقروا به فقالوا : حرم علينا ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ، بطول قولهم وبيان كذبهم ، لأنهم كانوا يقرون بإقرارهم بذلك أن الله حرم عليهم ذكور الضأن والمعز وإناثها أن يأكلوا لحومها أو يركبوا ظهورها ، وقد كانوا يستمتعون ببعض ذكورها وإناثها ، و " ما " التي في قوله : أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نصب عطفا بها على " الأنثيين " . نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ يقول : قل لهم : خبروني بعلم ذلك على صحته ، أي ذلك حرم ربكم عليكم وكيف حرم ، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فيما تنحلونه ربكم من دعواكم وتضيفونه إليه من تحريمكم . وإنما هذا إعلام من الله جل ثناؤه نبيه أن كل ما قاله هؤلاء المشركون في ذلك وأضافوه إلى الله ، فهو كذب على الله ، وأنه لم يحرم شيئا من ذلك ، وأنهم إنما اتبعوا في ذلك خطوات الشيطان ، وخالفوا أمره . وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ الآية ، إن كل هذا لم أحرم منه قليلا ولا كثيرا ذكرا ولا أنثى . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قال : سلهم آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أي لم أحرم من هذا شيئا . بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فذكر من الإبل والبقر نحو ذلك . حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله : ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ في شأن ما نهى الله عنه من البحيرة . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قوله : ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ قال : هذا في شأن ما نهى الله عنه من البحائر والسيب . قال ابن جريج : يقول : من أين حرمت هذا من قبل الذكرين أم من قبل الأنثيين ، أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ؟ وإنها لا تشتمل إلا على ذكر أو أنثى ، فمن أين جاء التحريم ؟ فأجابوا هم : وجدنا آباءنا كذلك يفعلون . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ يقول : أنزلت لكم ثمانية أزواج من هذا الذي عددت ذكر وأنثى ، فالذكرين حرمت عليكم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ؟ يقول : أي ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ما تشتمل إلا على ذكر أو أنثى ، فما حرمت عليكم ذكرا ولا أنثى من الثمانية ، إنما ذكر هذا من أجل ما حرموا من الأنعام . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال :