محمد بن جرير الطبري

33

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، نحوه . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ الآية ، قال : شركاؤهم زينوا لهم ذلك . وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ قال : شياطينهم التي عبدوها ، زينوا لهم قتل أولادهم . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ أمرتهم الشياطين أن يقتلوا البنات . وأما لِيُرْدُوهُمْ فيهلكوهم . وأما لِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ فيخلطوا عليهم دينهم . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته قراء الحجاز والعراق : وَكَذلِكَ زَيَّنَ بفتح الزاي من " زين " لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ بنصب القتل ، شُرَكاؤُهُمْ بالرفع . بمعنى أن شركاء هؤلاء المشركين الذين زينوا لهم قتل أولادهم ، فيرفعون الشركاء بفعلهم ، وينصبون القتل لأنه مفعول به . وقرأ ذلك بعض قراء أهل الشام : " وكذلك زين " بضم الزاي " لكثير من المشركين قتل " بالرفع " أولادهم " بالنصب وشركائهم " بالخفض ، بمعنى : وكذلك زين لكثير من المشركين قتل شركائهم أولادهم . ففرقوا بين الخافض والمخفوض بما عمل فيه من الإثم ، وذلك في كلام العرب قبيح غير فصيح . وقد روي عن بعض أهل الحجاز بيت من الشعر يؤيد قراءة من قرأ بما ذكرت من قراءة أهل الشام ، رأيت رواة الشعر وأهل العلم بالعربية من أهل العراق ينكرونه ، وذلك قول قائلهم : فزججته متمكنا * زج القلوص أبي مزادة والقراءة التي لا أستجيز غيرها : وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ بفتح الزاي من " زين " ونصب " القتل " بوقوع " زين " عليه وخفض " أولادهم " بإضافة " القتل " إليهم ، ورفع " الشركاء " بفعلهم لأنهم هم الذين زينوا للمشركين قتل أولادهم على ما ذكرت من التأويل . وإنما قلت : لا أستجيز القراءة بغيرها لإجماع الحجة من القراء عليه ، وأن تأويل أهل التأويل بذلك ورد ، ففي ذلك أوضح البيان على فساد ما خالفها من القراءة . ولولا أن تأويل جميع أهل التأويل بذلك ورد ثم قرأ قارئ : " وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم " بضم الزاي من " زين " ورفع " القتل " وخفض " الأولاد " " والشركاء " ، على أن " الشركاء " مخفوضون بالرد على " الأولاد " بأن " الأولاد " شركاء آبائهم في النسب والميراث كان جائزا . ولو قرأه كذلك قارئ ، غير أنه رفع " الشركاء " وخفض " الأولاد " كما يقال : ضرب عبد الله أخوك ، فيظهر الفاعل بعد أن جرى الخبر بما لم يسم فاعله ، كان ذلك صحيحا في العربية جائزا . القول في تأويل قوله تعالى : وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن هؤلاء الجهلة من المشركين أنهم كانوا يحرمون ويحللون من قبل أنفسهم من غير أن يكون الله أذن لهم بشيء من ذلك . يقول تعالى ذكره : وقال