محمد بن جرير الطبري
34
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
هؤلاء العادلون بربهم من المشركين جهلا منهم ، لأنعام لهم وحرث : هذه أنعام ، وهذا حرث حجر ، يعني بالأنعام والحرث ما كانوا جعلوه لله ولآلهتهم التي قد مضى ذكرها في الآية قبل هذه . وقيل : إن الأنعام : السائبة والوصيلة والبحيرة التي سموا . حدثني بذلك محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : الأنعام : السائبة والبحيرة التي سموا . والحجر في كلام العرب : الحرام ، يقال : حجرت على فلان كذا : أي حرمت عليه ، ومنه قول الله : وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً . ومنه قول المتلمس : حنت إلى النخلة القصوى فقلت لها * حجر حرام ألا ثم الدهاريس وقول رؤبة : وجارة البيت لها حجري يعني : المحرم . ومنه قول الآخر : فبت مرتفقا والعين ساهرة * كأن نومي علي الليل محجور أي حرام ، يقال : حجر وحجر ، بكسر الحاء وضمها . وبضمها كان يقرأ فيما ذكر الحسين وقتادة . حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي قال : ثني أبي ، عن الحسين ، عن قتادة ، أنه كان يقرؤها : " وحرث حجر " يقول : حرام ، مضمومة الحاء . وأما القراء من الحجاز والعراق والشام فعلى كسرها ، وهي القراءة التي لا أستجيز خلافها لإجماع الحجة من القراء عليها ، وأنها اللغة الجودي من لغات العرب . وروي عن ابن عباس أنه كان يقرؤها حجر : " وحرث حرج " بالراء قبل الجيم . حدثني بذلك الحرث ، قال : ثني عبد العزيز ، قال : ثنا ابن عيينة ، عن عمرو ، عن ابن عباس : أنه كان يقرؤها كذلك . وهي لغة ثالثة معناها ومعنى الحجر واحد ، وهذا كما قالوا : جذب وجبذ ، وناء ونأى ، ففي الحجر إذن لغات ثلاث : " حجر " بكسر الحاء والجيم قبل الراء ، " وحجر " بضم الحاء والجيم قبل الراء ، و " حرج " بكسر الحاء والراء قبل الجيم . وبنحو الذي قلنا في تأويل الحجر قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني عمران بن موسى القزاز ، قال : ثنا عبد الوارث ، عن حميد ، عن مجاهد وأبي عمرو : وَحَرْثٌ حِجْرٌ يقول : حرام . حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : وَحَرْثٌ حِجْرٌ فالحجر ما حرموا من الوصيلة ، وتحريم ما حرموا . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : وَحَرْثٌ حِجْرٌ قال : حرام . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ الآية ، تحريم كان عليهم من الشياطين في أموالهم وتغليظ وتشديد ، وكان ذلك من الشياطين ولم يكن من الله . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، أما قوله : وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ فيقولون : حرام أن نطعم إلا من شئنا . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ نحتجرها على من نريد وعمن لا نريد ، لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم ، قال : إنما احتجزوا ذلك لآلهتهم ، وقالوا : لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ قالوا : نحتجرها عن النساء ، ونجعلها للرجال . حدثت عن الحسين بن