محمد بن جرير الطبري

19

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

فعلهم ما لهم عند ربهم من النكال . وفي هذا أوضح البيان على تكذيب الله الزاعمين أن الله فوض الأمور إلى خلقه في أعمالهم فلا صنع له في أفعالهم ، وأنه قد سوى بين جميعهم في الأسباب التي بها يصلون إلى الطاعة والمعصية ؛ لأن ذلك لو كان كما قالوا ، لكان قد زين لأنبيائه وأوليائه من الضلالة والكفر نظير ما زين من ذلك لأعدائه وأهل الكفر به . وزين لأهل الكفر به من الإيمان به نظير الذي زين منه لأنبيائه وأوليائه . وفي إخباره جل ثناؤه أنه زين لكل عامل منهم عمله ما ينبئ عن تزيين الكفر والفسوق والعصيان ، وخص أعداءه وأهل الكفر بتزيين الكفر لهم والفسوق والعصيان ، وكره إليهم الإيمان به والطاعة . القول في تأويل قوله تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ يقول جل ثناؤه : وكما زينا للكافرين ما كانوا يعملون ، كذلك جعلنا بكل قرية عظماءها مجرميها ، يعني : أهل الشرك بالله والمعصية له ؛ لِيَمْكُرُوا فِيها بغرور من القول أو بباطل من الفعل بدين الله وأنبيائه . وَما يَمْكُرُونَ أي ما يحيق مكرهم ذلك ، إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ لأن الله تعالى ذكره من وراء عقوبتهم على صدهم عن سبيله . وهم لا يشعرون ، يقول : لا يدرون ما قد أعد الله لهم من أليم عذابه ، فهم في غيهم وعتوهم على الله يتمادون . وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : أَكابِرَ مُجْرِمِيها قال : عظماءها . حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : أَكابِرَ مُجْرِمِيها قال : عظماءها . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عكرمة : نزلت في المستهزئين . قال ابن جريج : عن عمرو ، عن عطاء ، عن عكرمة : أَكابِرَ مُجْرِمِيها إلى قوله : بِما كانُوا يَمْكُرُونَ بدين الله وبنبيه عليه الصلاة والسلام وعباده المؤمنين . والأكابر : جمع أكبر ، كما الأفاضل : جمع أفضل . ولو قيل : هو جمع كبير ، فجمع أكابر ، لأنه قد يقال أكبر ، كما قيل : قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا واحدهم الخاسر لكان صوابا . وحكي عن العرب سماعا : الأكابرة والأصاغرة ، والأكابر والأصاغر بغير الهاء على نية النعت ، كما يقال : هو أفضل منك . وكذلك تفعل العرب بما جاء من النعوت على " أفعل " إذا أخرجوها إلى الأسماء ، مثل جمعهم الأحمر والأسود : الأحامر والأحامرة ، والأساود والأساودة ؛ ومنه قول الشاعر : إن الأحامرة الثلاثة أهلكت * مالي وكنت بهن قدما مولعا الخمر واللحم السمين أديمه * والزعفران فلن أزال مبقعا وأما المكر : فإنه الخديعة والاحتيال للممكور به بالقدر ليورطه الماكر به مكروها من الأمر . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ يقول تعالى ذكره : وإذا جاءت هؤلاء المشركين الذين يجادلون المؤمنين بزخرف القول فيما حرم الله عليهم ليصدوا عن سبيل الله آيَةٌ يعني : حجة من الله على صحة ما جاءهم به محمد من عند الله وحقيقته ، قالوا لنبي الله وأصحابه : لَنْ نُؤْمِنَ يقول : يقولون :