محمد بن جرير الطبري
20
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
لن نصدق بما دعانا إليه محمد صلى الله عليه وسلم من الإيمان به ، وبما جاء به من تحريم ما ذكر أن الله حرمه علينا ؛ حَتَّى نُؤْتى يعنون : حتى يعطيهم الله من المعجزات مثل الذي أعطى موسى من فلق البحر ، وعيسى من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص . يقول تعالى ذكره : اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ يعني بذلك جل ثناؤه : أن آيات الأنبياء والرسل لم يعطها من البشر إلا رسول مرسل ، وليس العادلون بربهم الأوثان والأصنام منهم فيعطوها . يقول جل ثناؤه : فأنا أعلم بمواضع رسالاتي ومن هو لها أهل ، فليس لكم أيها المشركون أن تتخيروا ذلك علي أنتم ، لأن تخير الرسول إلى المرسل دون المرسل إليه ، والله أعلم إذا أرسل رسالة بموضع رسالاته . القول في تأويل قوله تعالى : سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، معلمه ما هو صانع بهؤلاء المتمردين عليه : سيصيب يا محمد الذي اكتسبوا الإثم بشركهم بالله وعبادتهم غيره صَغارٌ يعني : ذلة وهوان . كما : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ قال : الصغار : الذلة . وهو مصدر من قول القائل : صغر يصغر صغارا وصغرا ، وهو أشد الذل . وأما قوله : صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ فإن معناه : سيصيبهم صغار من عند الله ، كقول القائل : سيأتيني رزقي عند الله ، بمعنى : من عند الله ، يراد بذلك : سيأتيني الذي لي عند الله . وغير جائز لمن قال : " سيصيبهم صغار عند الله " أن يقول : " جئت عند عبد الله " بمعنى : جئت من عند عبد الله ، لأن معنى " سيصيبهم صغار عند الله " : سيصيبهم الذي عند الله من الذل بتكذيبهم رسوله فليس ذلك بنظير " جئت من عند عبد الله " . وقوله : وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ يقول : يصيب هؤلاء المكذبين بالله ورسوله المستحلين ما حرم الله عليهم من الميتة مع الصغار ، عذاب شديد بما كانوا يكيدون للإسلام وأهله بالجدال بالباطل والزخرف من القول غرورا لأهل دين الله وطاعته . القول في تأويل قوله تعالى : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ يقول تعالى ذكره : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ للإيمان به وبرسوله وما جاء به من عند ربه فيوفقه له ، يشرح صدره للإيمان يقول : فسح صدره لذلك وهونه عليه وسهله له بلطفه ومعونته ، حتى يستنير الإسلام في قلبه ، فيضيء له ويتسع له صدره بالقبول . كالذي جاء الأثر به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الذي : حدثنا سوار بن عبد الله العنبري ، قال : ثنا المعتمر بن سليمان ، قال : سمعت أبي يحدث ، عن عبد الله بن مرة ، عن أبي جعفر ، قال : لما نزلت هذه الآية : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ قالوا : كيف يشرح الصدر ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا نزل النور في القلب انشرح له الصدر وانفسح " . قالوا : فهل لذلك آية يعرف بها ؟ قال : " نعم ، الإنابة إلى دار الخلود ، والتجافي عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل الفوت " . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا الثوري ، عن عمرو بن قيس ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي جعفر ، قال : سئل النبي صلى الله عليه وسلم : أي المؤمنين أكيس المؤمنين ؟ قال : " أكثرهم للموت ذكرا ، وأحسنهم لما بعده استعدادا " . قال : وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ قالوا : كيف يشرح صدره يا رسول الله ؟ قال : " نور يقذف فيه فينشرح له وينفسح " قالوا : فهل لذلك من أمارة يعرف