محمد بن جرير الطبري
159
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
أمرهم ، وعقروا الناقة ، وعتوا عن أمر ربهم ، وقالوا : يا صالح ائتنا بما تعدنا وفزع ناس منهم إلى صالح وأخبروه أن الناقة قد عقرت ، فقال : علي بالفصيل فطلبوا الفصيل فوجدوه على رابية من الأرض ، فطلبوه ، فارتفعت به حتى حلقت به في السماء ، فلم يقدروا عليه . ثم دعا الفصيل إلى الله ، فأوحى الله إلى صالح أن مرهم فليتمتعوا في دارهم ثلاثة أيام ، فقال لهم صالح : تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وآية ذلك أن تصبح وجوهكم أول يوم مصفرة ، والثاني محمرة ، واليوم الثالث مسودة ، واليوم الرابع فيه العذاب . فلما رأوا العلامات تكفنوا وتحنطوا ولطخوا أنفسهم بالمر ، ولبسوا الأنطاع ، وحفروا الأسراب ، فدخلوا فيها ينتظرون الصيحة ، حتى جاءهم العذاب فهلكوا ؛ فذلك قوله : دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : لما أهلك الله عادا وتقضي أمرها ، عمرت ثمود بعدها واستخلفوا في الأرض ، فنزلوا فيها وانتشروا . ثم عتوا على الله ، فلما ظهر فسادهم وعبدوا غير الله ، بعث إليهم صالحا وكانوا قوما عربا ، وهو من أوسطهم نسبا وأفضلهم موضعا رسولا . وكانت منازلهم الحجر إلى قرح ، وهو وادي القرى ، وبين ذلك ثمانية عشر ميلا فيما بين الحجاز والشام . فبعث الله إليهم غلاما شابا ، فدعاهم إلى الله ، حتى شمط وكبر ، لا يتبعه منهم إلا قليل مستضعفون ؛ فلما ألح عليهم صالح بالدعاء ، وأكثر لهم التحذير ، وخوفهم من الله العذاب والنقمة ، سألوه أن يريهم آية تكون مصداقا لما يقول فيما يدعوهم إليه ، فقال لهم : أي آية تريدون ؟ قالوا : تخرج معنا إلى عيدنا هذا وكان لهم عيد يخرجون إليه بأصنامهم وما يعبدون من دون الله في يوم معلوم من السنة فتدعو إلهك وندعو آلهتنا ، فإن استجيب لك اتبعناك ، وإن استجيب لنا اتبعتنا . فقال لهم صالح : نعم . فخرجوا بأوثانهم إلى عيدهم ذلك ، وخرج صالح معهم إلى الله ، فدعوا أوثانهم وسألوها أن لا يستجاب لصالح في شيء مما يدعو به ، ثم قال له جندع بن عمرو بن حراش بن عمرو بن الدميل ، وكان يومئذ سيد ثمود وعظيمهم : يا صالح أخرج لنا من هذه الصخرة لصخرة منفردة في ناحية الحجر يقال لها الكاثبة ناقة مخترجة جوفاء وبراء والمخترجة : ما شاكلت البخت من الإبل . وقالت ثمود لصالح مثل ما قال جندع بن عمرو فإن فعلت آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو حق وأخذ عليهم صالح مواثيقهم : لئن فعلت وفعل الله لتصدقني ولتؤمنن بي ؟ قالوا : نعم ، فأعطوه على ذلك عهودهم ، فدعا صالح ربه بأن يخرجها لهم من تلك الهضبة كما وصفت . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس ، أنه حدث : أنهم نظروا إلى الهضبة حين دعا الله صالح بما دعا به تتمخض بالناقة تمخض النتوج بولدها ، فتحركت الهضبة ثم أسقطت الناقة ، فانصدعت عن ناقة كما وصفوا جوفاء وبراء نتوج ، ما بين جنبيها لا يعلمه إلا الله عظما . فآمن به جندع بن عمرو ومن كان معه على أمره من رهطه ، وأراد أشراف ثمود أن يؤمنوا به ويصدقوا ، فنهاهم ذؤاب بن عمرو بن لبيد والحباب صاحب أوثانهم ورباب بن صمعر بن جلهس ، وكانوا من أشراف ثمود ، وردوا أشرافها عن الإسلام ، والدخول فيما دعاهم إليه صالح من الرحمة والنجاة . وكان لجندع ابن عم يقال له شهاب بن خليفة بن مخلاة بن لبيد بن جواس ، فأراد أن يسلم فنهاه أولئك الرهط عن ذلك ، فأطاعهم ، وكان من أشراف ثمود وأفاضلها ، فقال رجل من ثمود يقال له مهوس بن عنمة بن الدميل ، وكان مسلما : وكانت عصبة من آل عمرو * إلى دين النبي دعوا شهابا عزيز ثمود كلهم جميعا * فهم بأن يجيب ولو أجابا لأصبح صالح فينا عزيزا * وما عدلوا بصاحبهم ذؤابا ولكن الغواة من آل حجر * تولوا بعد رشدهم ذئابا