محمد بن جرير الطبري

160

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

فمكثت الناقة التي أخرجها الله لهم معها سقبها في أرض ثمود ترعى الشجر وتشرب الماء ، فقال لهم صالح عليه السلام : هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وقال الله لصالح : أن الماء قسمة بينهم ، كل شرب محتضر ؛ أي إن الماء نصفان : لهم يوم ولها يوم وهي محتضرة ، فيومها لا تدع شربها وقال لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ فكانت فيما بلغني والله أعلم إذا وردت وكانت ترد غبا وضعت رأسها في بئر في الحجر يقال لها بئر الناقة ، فيزعمون أنها منها كانت تشرب ، إذا وردت تضع رأسها فيها ، فما ترفعه حتى تشرب كل قطرة ماء في الوادي ، ثم ترفع رأسها فتفسج يعني تفحج لهم ، فيحتلبون ما شاءوا من لبن ، فيشربون ويدخرون حتى يملئوا كل آنيتهم ، ثم تصدر من غير الفج الذي منه وردت ، لا تقدر على أن تصدر من حيث ترد لضيقه عنها ، فلا ترجع منه ؛ حتى إذا كان الغد كان يومهم ، فيشربون ما شاءوا من الماء ، ويدخرون ما شاءوا ليوم الناقة ، فهم من ذلك في سعة . وكانت الناقة فيما يذكرون تصيف إذا كان الحر بظهر الوادي ، فتهرب منها المواشي أغنامهم وأبقارهم وإبلهم ، فتهبط إلى بطن الوادي في حره وجدبه ؛ وذلك أن المواشي تنفر منها إذا رأتها ، وتشتو في بطن الوادي إذا كان الشتاء ، فتهرب مواشيهم إلى ظهر الوادي في البرد والجدب ، فأضر ذلك بمواشيهم للبلاء والاختبار . وكانت مراتعها فيما يزعمون الحباب وحسمى ، كل ذلك ترعى مع وادي الحجر . فكبر ذلك عليهم ، فعتوا عن أمر ربهم ، واجمعوا في عقر الناقة رأيهم . وكانت امرأة من ثمود يقال لها عنيزة بنت غنم بن مجلز ، تكني بأم غنم ، وهي من بني عبيد بن المهل أخي دميل بن المهل ، وكانت امرأة ذواب بن عمرو ، وكانت عجوزا مسنة ، وكانت ذات بنات حسان ، وكانت ذات مال من إبل وبقر وغنم ، وامرأة أخرى يقال لها صدوف بنت المحيا بن زهير بن المحيا سيد بني عبيد وصاحب أوثانهم في الزمن الأول . وكان الوادي يقال له وادي المحيا ، وهو المحيا الأكبر جد المحيا الأصغر أبي صدوف . وكانت صدوف من أحسن الناس ، وكانت غنية ذات مال من إبل وغنم وبقر ، وكانتا من أشد امرأتين في ثمود عداوة لصالح وأعظمهم به كفرا ، وكانتا تحبان أن تعقر الناقة مع كفرهما به لما أضرت به من مواشيهما . وكانت صدوف عند ابن خال لها يقال له صنتم بن هراوة بن سعد بن الغطريف من بني هليل ، فأسلم فحسن إسلامه ، وكانت صدوف قد فوضت إليه مالها ، فأنفقه على من أسلم معه من أصحاب صالح حتى رق المال . فاطلعت على ذلك من إسلامه صندوف ، فعاتبته على ذلك ، فأظهر لها دينه ودعاها إلى الله وإلى الإسلام ، فأبت عليه ، وسيت ولده ، فأخذت بنيه وبناته منه فغيبتهم في بني عبيد بطنها الذي هي منه . وكان صنتم زوجها من بني هليل ، وكان ابن خالها ، فقال لها : ردي علي ولدي فقالت : حتى أنافرك إلى بني صنعان بن عبيد أو إلى بني جندع بن عبيد . فقال لها صنتم : بل أنا أقول إلى بني مرداس بن عبيد ولك أن بني مرداس بن عبيد كانوا قد سارعوا في الإسلام وأبطأ عنه الآخرون ، فقالت . لا أنافرك إلا إلى من دعوتك إليه فقال بنو مرداس : والله لتعطينه ولده طائعة أو كارهة فلما رأت ذلك أعطته إياهم . ثم إن صدوف وعنيزة تحيلا في عقر الناقة للشقاء الذي نزل ، فدعت صدوف رجلا من ثمود يقال له الحباب لعقره الناقة . وعرضت عليه نفسها بذلك إن هو فعل ، فأبى عليها . فدعت ابن عم لها يقال مصدع بن مهرج بن المحيا ، وجعلت له نفسها على أن يعقر الناقة ، وكانت من أحسن الناس . وكانت غنية كثيرة المال ، فأجابها إلى ذلك . ودعت عنيزة بنت غنم قدار بن سالف بن جندع رجلا من أهل قرح . وكان قدار رجلا أحمر أزرق قصيرا يزعمون أنه كان لزنية من رجل يقال له صهياد ، ولم يكن لأبيه سالف الذي يدعى إليه ولكنه قد ولد على فراش سالف ، وكان يدعى له وينسب إليه ، فقالت . أعطيك أي بناتي شئت على أن تعقر الناقة وكانت عنيزة شريفة من نساء ثمود ، وكان زوحها ذؤاب بن عمرو من أشراف رجال ثمود . وكان