محمد بن جرير الطبري

145

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وتأويل الكلام : فاليوم نتركهم في العذاب ، كما تركوا العمل في الدنيا للقاء الله يوم القيامة ، وكما كانوا بآيات الله يجحدون ، وهي حجة التي احتج بها عليهم من الأنبياء والرسل والكتب وغير ذلك . يجحدون : يكذبون ولا يصدقون بشيء من ذلك . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يقول تعالى ذكره : أقسم يا محمد لقد جئنا هؤلاء الكفرة بكتاب ، يعني القرآن الذي أنزله إليهم . يقول : لقد أنزلنا إليهم هذا القرآن مفصلا مبينا فيه الحق من الباطل ، عَلى عِلْمٍ يقول : على علم منا بحق ما فصل فيه من الباطل الذي ميز فيه بينه وبين الحق ، هُدىً وَرَحْمَةً يقول : بيناه ليهتدي ويرحم به قوم يصدقون به وبما فيه من أمر الله ونهيه وأخباره ووعده ووعيده . فينقذهم به من الضلالة إلى الهدى . وهذه الآية مردودة على قوله : كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ والهدى في موضع تصب على القطع من الهاء التي في قوله : فَصَّلْناهُ ولو نصب على فعل فصلناه ، فيكون المعنى : فصلنا الكتاب كذلك كان صحيحا ؛ ولو قرئ " هدى ورحمة " كان في الإعراب فصيحا ، وكان خفض ذلك بالرد على الكتاب . القول في تأويل قوله تعالى : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ يقول تعالى ذكره : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ هل ينتظر هؤلاء المشركون الذين يكذبون بآيات الله ويجحدون لقاءه ، إلا تأويله ؟ يقول : إلا ما يؤل إليه أمرهم من ورودهم على عذاب الله ، وصليهم جحيمه ، وأشباه هذا مما أوعدهم الله به . وقد بينا معنى التأويل فيما مضى بشواهده بما أغني عن إعادته في هذا الموضع . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ أي ثوابه يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ أي ثوابه . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، قال : ثنا معمر ، عن قتادة : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ قال : تأويله : عاقبته . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبو أسامة ، عن شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ قال : جزاءه ، يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ قال : جزاؤه . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا يحيى بن أبي زائدة ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ أما تأويله : فعواقبه مثل وقعة بدر ، والقيامة ، وما وعد فيه من موعد . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع بن أنس في قوله : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فلا يزال يقع من تأويله أمر حتى يتم تأويله يوم القيامة ، ففي ذلك أنزل : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ حيث أثاب الله تبارك وتعالى أولياءه وأعداءه ثواب أعمالهم ، يَقُولُ يومئذ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ الآية . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ قال : يوم القيامة . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ قال : يأتي تحقيقه . وقرأ قول الله تعالى : هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قال : هذا تحقيقها . وقرأ قول الله : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ قال : ما يعلم حقيقته ومتى يأتي إلا الله تعالى . وأما قوله : يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ فإن معناه : يوم يجيء ما يؤول إليه أمرهم من عقاب الله ، يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ أي يقول الذين ضيعوا وتركوا ما أمروا به من العمل المنجيهم مما آل إليه أمرهم يومئذ من العذاب من قبل ذلك في الدنيا : لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ أقسم المساكين حين عاينوا البلاء وحل بهم العقاب أن رسل الله التي أتتهم بالنذارة وبلغتهم عن الله الرسالة ، قد كانت نصحت لهم وصدقتهم عن الله ، وذلك حين لا ينفعهم التصديق