محمد بن جرير الطبري
146
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ولا ينجيهم من سخط الله وأليم عقابه كثرة القيل والقال . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ أما الذين نسوه فتركوه ، فلما رأوا ما وعدهم أنبياؤهم استيقنوا فقالوا : قد جاءت رسل ربنا بالحق . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ قال : أعرضوا عنه . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . القول في تأويل قوله تعالى : فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن هؤلاء المشركين الذين وصف صفتهم أنهم يقولون عند حلول سخط الله بهم وورودهم أليم عذابه ومعاينتهم تأويل ما كانت رسل الله تعدهم : هل لنا من أصدقاء وأولياء اليوم ، فيشفعوا لنا عند ربنا ، فتنجينا شفاعتهم عنده مما قد حل بنا من سوء فعالنا في الدنيا ، أو نرد إلى الدنيا مرة أخرى ، فنعمل فيها لما يرضيه ويعتبه من أنفسنا ؟ قال : هذا القول المساكين هنا لك ، لأنهم كانوا عهدوا في الدنيا أنفسهم لها شفعاء تشفع لهم في حاجاتهم ، فيذكروا ذلك في وقت لا خلة فيه لهم ولا شفاعة ، يقول الله جل ثناؤه : قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ يقول : غبنوا أنفسهم حظوظها ببيعهم ما لا خطر له من نعيم الآخرة الدائم بالخسيس من عرض الدنيا الزائل ، وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ يقول : وأسلمهم لعذاب الله ، وحاد عنهم أولياؤهم الذين كانوا يعبدونهم من دون الله ، ويزعمون كذبا وافتراء أنهم أربابهم من دون الله . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله : قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ يقول : شروها بخسران . وإنما رفع قوله أَوْ نُرَدُّ ولم ينصب عطفا على قوله : فَيَشْفَعُوا لَنا لأن المعنى : هل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا ، أو هل نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل . ولم يرد به العطف على قوله فَيَشْفَعُوا لَنا القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي يقول تعالى ذكره : إن سيدكم ومصلح أموركم أيها الناس ، هو المعبود الذي له العبادة من كل شيء الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ، وذلك يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة . كما : حدثنا المثنى ، قال : ثنا الحجاج بن المنهال ، قال : ثنا أبو عوانة ، عن أبي بشر ، عن مجاهد ، قال : بدء الخلق : العرش والماء والهواء ، وخلقت الأرض من الماء ، وكان بدء الخلق يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس ، وجمع الخلق في يوم الجمعة ، وتهودت اليهود يوم السبت ، ويوم من الستة الأيام كألف سنة مما تعدون . ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وقد ذكرنا معنى الاستواء واختلاف الناس فيه فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته . وأما قوله : يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً فإنه يقول : يورد الليل على النهار فيلبسه إياه ، حتى يذهب نضرته ونوره . يَطْلُبُهُ يقول : يطلب الليل النهار حَثِيثاً يعني سريعا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : يَطْلُبُهُ حَثِيثاً يقول : سريعا . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً قال : يغشي الليل النهار بضوئه ، ويطلبه سريعا حتى يدركه . القول في تأويل قوله تعالى : وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ يقول تعالى ذكره : إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض والشمس والقمر والنجوم ، كل ذلك بأمره ، أمرهن الله فأطعن أمره ، ألا لله الخلق كله ، والأمر الذي لا يخالف ولا يرد أمره دون ما سواه من الأشياء كلها ، ودون ما عبده المشركون من الآلهة والأوثان