محمد بن جرير الطبري
112
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وما بعد ذلك من الآيات إلى قوله : وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ فإنه جل ثناؤه يأمر في كل ذلك بأخذ الزينة من الثياب واستعمال اللباس وترك التجرد والتعري وبالإيمان به واتباع أمره والعمل بطاعته ، وينهى عن الشرك به واتباع أمر الشيطان ؛ مؤكدا في كل ذلك ما قد أجمله في قوله : يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ . وأولى الأقوال بالصحة في تأويل قوله : وَلِباسُ التَّقْوى استشعار النفوس تقوى الله في الانتهاء عما نهى الله عنه من معاصيه والعمل بما أمر به من طاعته ؛ وذلك يجمع الإيمان والعمل الصالح والحياء وخشية الله والسمت الحسن ، لأن من اتقى الله كان به مؤمنا وبما أمره به عاملا ومنه خائفا وله مراقبا ، ومن أن يرى عندما يكرهه من عباده مستحسا . ومن كان كذلك ظهرت آثار الخير فيه ، فحسن سمته وهديه ورويت عليه بهجة الإيمان ونوره . وإنما قلنا : عنى بلباس التقوى استشعار النفس والقلب ذلك ؛ لأن اللباس إنما هو ادراع ما يلبس واحتباء ما يكتسى ، أو تغطية بدنه أو بعضه به ، فكل من ادرع شيئا أو احتبى به حتى يرى هو أو أثره عليه ، فهو له لابس ؛ ولذلك جعل جل ثناؤه الرجال للنساء لباسا وهن لهم لباسا ، وجعل الليل لعباده لباسا . ذكر من تأول ذلك بالمعنى الذي ذكرنا من تأويله إذا قرئ قوله : وَلِباسُ التَّقْوى رفعا : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَلِباسُ التَّقْوى الإيمان ؛ ذلِكَ خَيْرٌ يقول : ذلك خير من الرياش واللباس يواري سوآتكم . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَلِباسُ التَّقْوى قال : لباس التقوى خير ، وهو الإيمان . القول في تأويل قوله تعالى : ذلِكَ مِنْ آياتِ يقول تعالى ذكره : ذلك الذي ذكرت لكم أني أنزلته إليكم أيها الناس من اللباس والرياش من حجج الله وأدلته التي يعلم بها من كفر صحة توحيد الله ، وخطأ ما هم عليه مقيمون من الضلالة . لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ يقول جل ثناؤه : جعلت ذلك لهم دليلا على ما وصفت ليذكروا ، فيعتبروا وينيبوا إلى الحق وترك الباطل ، رحمة منى بعبادي . القول في تأويل قوله تعالى : يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما يقول تعالى ذكره : يا بني آدم لا يخدعنكم الشيطان فيبدي سوآتكم للناس بطاعتكم إياه عند اختباره لكم ، كما فعل بأبويكم أدم وحواء عند اختباره إياهما فأطاعاه وعصيا ربهما فأخرجهما بما سبب لهما من مكره وخدعه من الجنة ، ونزع عنهما ما كان ألبسهما من اللباس ليريهما سوآتهما بكشف عورتهما وإظهارها لأعينهما بعد أن كانت مستترة . وقد بينا فيما مضى أن معنى الفتنة الاختبار والابتلاء بما أغنى عن إعادته . وقد اختلف أهل التأويل في صفة اللباس الذي أخبر الله جل ثناؤه أنه نزعه عن أبوينا وما كان ، فقال بعضهم : كان ذلك أظفارا . ذكر من لم يذكر قوله فيما مضى من كتابنا هذا في ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا يحيى بن آدم ، عن شريك ، عن عكرمة : يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما قال : لباس كل دابة منها ، ولباس الإنسان : الظفر ، فأدركت آدم التوبة عند ظفره ، أو قال : أظفاره . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا عبد الحميد الحماني ، عن نصر بن عمر ،