محمد بن جرير الطبري
111
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " والذي نفس محمد بيده ما عمل أحد قط سرا إلا ألبسه الله رداءه علانية ، إن خيرا خيرا ، وإن شرا فشرا " ثم تلا هذه الآية : " ورياشا " ولم يقرأها : وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ قال : السمت الحسن . وقال آخرون : هو خشية الله . ذكر من قال ذلك : حدثني الحرث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا أبو سعد المدني ، قال : ثني من سمع عروة بن الزبير يقول : لِباسُ التَّقْوى خشية الله . وقال آخرون : لِباسُ التَّقْوى في هذه المواضع : ستر العورة . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَلِباسُ التَّقْوى يتقي الله فيواري عورته ، ذلك لباس التقوى . واختلف القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المكيين والكوفيين والبصريين : وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ برفع " ولباس " . وقرأ ذلك عامة قراء المدينة : " ولباس التقوى " بنصب اللباس ، وهي قراءة بعض قراء الكوفيين . فمن نصب : " ولباس " فإنه نصبه عطفا على " الريش " بمعنى : قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ، وأنزلنا لباس التقوى . وأما الرفع ، فإن أهل العربية مختلفون في المعنى الذي ارتفع به اللباس ، فكان بعض نحويي البصرة يقول : هو مرفوع على الابتداء ، وخبره في قوله : ذلِكَ خَيْرٌ . وقد استخطأه بعض أهل العربية في ذلك وقال : هذا غلط ، لأنه لم يعد على اللباس في الجملة عائد ، فيكون اللباس إذا رفع على الابتداء وجعل " ذلك خير " خبرا . وقال بعض نحويي الكوفة : وَلِباسُ يرفع بقوله : " ولباس التقوى خير " ، ويجعل ذلك من نعته . وهذا القول عندي أولى بالصواب في رافع اللباس ، لأنه لا وجه للرفع إلا أن يكون مرفوعا ب " خير " ، وإذا رفع ب " خير " لم يكن في ذلك وجه إلا أن يجعل اللباس نعتا ، لا أنه عائد على اللباس من ذكره في قوله : ذلِكَ خَيْرٌ فيكون خير مرفوعا بذلك وذلك به . فإذ كان ذلك كذلك ، فتأويل الكلام إذن : رفع لباس التقوى ، ولباس التقوى ذلك الذي قد علمتموه خير لكم يا بني آدم من لباس الثياب التي تواري سوآتكم ، ومن الرياش التي أنزلناها إليكم فالبسوه . وأما تأويل من قرأه نصبا ، فإنه : يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم ، وريشا ، ولباس التقوى هذا الذي أنزلنا عليكم ، من اللباس الذي يواري سوآتكم ، والريش ، ولباس التقوى خير لكم من التعري والتجرد من الثياب في طوافكم بالبيت ، فاتقوا الله والبسوا ما رزقكم الله من الرياش ، ولا تطيعوا الشيطان بالتجرد والتعري من الثياب ، فإن ذلك سخرية منه بكم وخدعة ، كما فعل بأبويكم آدم وحواء فخدعهما حتى جردهما من لباس الله الذي كان ألبسهما بطاعتهما له في أكل ما كان الله نهاهما عن أكله من ثمر الشجرة التي عصياه بأكلها . وهذه القراءة أولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب ، أعني نصب قوله : " ولباس التقوى " لصحة معناه في التأويل على ما بينت ، وأن الله إنما ابتدأ الخبر عن إنزاله اللباس الذي يواري سوآتنا والرياش توبيخا للمشركين الذين كانوا يتجردون في حال طوافهم بالبيت ، ويأمرهم بأخذ ثيابهم والاستتار بها في كل حال مع الإيمان به واتباع طاعته ، ويعلمهم أن كل ذلك خير من كل ما هم عليه مقيمون من كفرهم بالله وتعريهم ، لا أنه أعلمهم أن بعض ما أنزل إليهم خير من بعض . وما يدل على صحة ما قلنا في ذلك الآيات التي بعد هذه الآية ، وذلك قوله : يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما