محمد بن جرير الطبري
99
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
هو يوم يبعث فيه الخلق ، ولو أعطي ما سأل من النظرة كان قد أعطي الخلود وبقاء لا فناء معه ، وذلك أنه لا موت بعد البعث . فقال جل ثناؤه له : فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ وذلك إلى اليوم الذي قد كتب الله عليه فيه الهلاك والموت والفناء لأنه لا شيء يبقى فلا يبقى غير ربنا الحي الذي لا يموت ، يقول الله تعالى ذكره : كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ والإنظار في كلام العرب : التأخير ، يقال منه : أنظرته بحقي عليه ، انظره به إنظارا . فإن قال قائل : فإن الله قد قال له إذ سأله الإنظار إلى يوم يبعثون : إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ في هذا الموضع ، فقد أجابه إلى ما سأل ؟ قيل له : ليس الأمر كذلك ، وإنما كان مجيبا له إلى ما سأل لو كان قال له : إنك من المنظرين إلى الوقت الذي سألت ، أو إلى يوم البعث ، أو إلى يوم يبعثون ، أو ما أشبه ذلك مما يدل على إجابته إلى ما سأل من النظرة . وأما قوله : إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ فلا دليل فيه لولا الآية الأخرى التي قد بين فيها مدة إنظاره إياه إليها ، وذلك قوله : فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ على المدة التي أنظره إليها ، لأنه إذا أنظره يوما واحدا أو أقل منه أو أكثر ، فقد دخل في عداد المنظرين وتم فيه وعد الله الصادق ، ولكنه قد بين قدر مدة ذلك بالذي ذكرناه ، فعلم بذلك الوقت الذي أنظر إليه . وبنحو ذلك كان السدي يقول . حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ فلم ينظره إلى يوم البعث ، ولكن أنظره إلى يوم الوقت المعلوم ، وهو يوم ينفخ في الصور النفخة الأولى ، فصعق من في السماوات ومن في الأرض ، فمات . فتأويل الكلام : قال إبليس لربه : أنظرني أي أخرني وأجلني ، وأنسئ في أجلي ، ولا تمتني إلى يوم يبعثون ، يقول : إلى يوم يبعث الخلق . فقال تعالى ذكره : إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إلى يوم ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله . فإن قال قائل : فهل أحد منظر إلى ذلك اليوم سوى إبليس فيقال له إنك منهم ؟ قيل : نعم ، من لم يقبض الله روحه من خلقه إلى ذلك اليوم ممن تقوم عليه الساعة ، فهم من المنظرين بآجالهم إليه ؛ ولذلك قيل لإبليس : إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ بمعنى : إنك ممن لا يميته الله إلا ذلك اليوم . القول في تأويل قوله تعالى : قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي يقول جل ثناؤه : قال إبليس لربه : فَبِما أَغْوَيْتَنِي يقول : فبما أضللتني . كما : حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : فَبِما أَغْوَيْتَنِي يقول : أضللتني . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : فَبِما أَغْوَيْتَنِي قال : فبما أضللتني . وكان بعضهم يتأول قوله : فَبِما أَغْوَيْتَنِي بما أهلكتني ، من قولهم : غوي الفصيل يغوى غوى ، وذلك إذا فقد اللبن فمات ، من قول الشاعر : معطفة الأثناء ليس فصيلها * برازئها درا ولا ميت غوى وأصل الإغواء في كلام العرب : تزيين الرجل للرجل الشيء حتى يحسنه عنده غارا له . وقد حكي عن بعض قبائل طيئ أنها تقول : أصبح فلان غاويا : أي أصبح مريضا . وكان بعضهم يتأول ذلك أنه بمعنى القسم ، كأن معناه عنده : فبإغوائك إياي لأقعدن لهم صراطك المستقيم ، كما يقال : بالله لأفعلن