محمد بن جرير الطبري

100

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

كذا . وكان بعضهم يتأول ذلك بمعنى المجازاة ، كأن معناه عنده : فلأنك أغويتني ، أو فبأنك أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم . وفي هذا بيان واضح على فساد ما يقول القدرية من أن كل من كفر أو آمن فبتفويض الله أسباب ذلك إليه ، وأن السبب الذي به يصل المؤمن إلى الإيمان هو السبب الذي به يصل الكافر إلى الكفر ؛ وذلك أن ذلك لو كان كما قالوا لكان الخبيث قد قال بقوله : فَبِما أَغْوَيْتَنِي فبما أصلحتني ، إذ كان سبب الإغواء ، هو سبب الإصلاح ، وكان في إخباره عن الإغواء إخبار عن الإصلاح ، ولكن لما كان سبباهما مختلفين وكأن السبب الذي به غوى وهلك من عند الله أضاف ذلك إليه فقال : فَبِما أَغْوَيْتَنِي . وكذلك قال محمد بن كعب القرظي ، فيما : حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي ، قال : ثنا زيد بن الحباب ، قال : ثنا أبو مودود ، سمعت محمد بن كعب القرظي يقول : قاتل الله القدرية ، لإبليس أعلم بالله منهم . وأما قوله : لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ فإنه يقول : لأجلسن لبني آدم صراطك المستقيم ، يعني : طريقك القويم ، وذلك دين الله الحق ، وهو الإسلام وشرائعه . وإنما معنى الكلام : لأصدن بني آدم عن عبادتك وطاعتك ، ولأغوينهم كما أغويتني ، ولأضلنهم كما أضللتني . وذلك كما روي عن سبرة بن الفاكه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقة ، فقعد له بطريق الإسلام ، فقال : أتسلم وتذر دينك ودين آبائك ؟ فعصاه فأسلم . ثم قعد له بطريق الهجرة ، فقال : أتهاجر وتذر أرضك وسماءك ، وإنما مثل المهاجر كالفرس في الطول ؟ فعصاه وهاجر . ثم قعد له بطريق الجهاد ، وهو جهد النفس والمال ، فقال : أتقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال ؟ قال : فعصاه فجاهد " . وروي عن عون بن عبد الله في ذلك ، ما : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا حيوة أبو يزيد ، عن عبد الله بن بكير ، عن محمد بن سوقة ، عن عون بن عبد الله : لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ قال : طريق مكة . والذي قاله عون وإن كان من صراط الله المستقيم فليس هو الصراط كله ، وإنما أخبر عدو الله أنه يقعد لهم صراط الله المستقيم ولم يخصص منه شيئا دون شيء ، فالذي روي في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشبه بظاهر التنزيل وأولى بالتأويل ، لأن الخبيث لا يألو عباد الله الصد عن كل ما كان لهم قربة إلى الله . وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل في معنى المستقيم في هذا الموضع . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ قال : الحق . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثني الحرث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا أبو سعد المدني ، قال : سمعت مجاهد ا يقول : لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ قال : سبيل الحق ، فلأضلنهم إلا قليلا . واختلف أهل العربية في ذلك ، فقال بعض نحويي البصرة : فمعناه : لأقعدن لهم على صراطك المستقيم ، كما يقال : توجه مكة : أي إلى مكة ، وكما قال الشاعر : كأني إذ أسعى لأظفر طائرا * مع النجم من جو السماء يصوب بمعنى : لأظفر بطائر ، فألقى الباء ؛ وكما قال : أَ عَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ بمعنى : أعجلتم عن أمر ربكم . وقال بعض نحويي